13 تشرين الأول
1990 بعد 15 عاماً: ذاكرة
الموت
والاعتقال
مسعفان
من الصليب
الأحمر
يرويان
فصولاً جديدة
من المأساة:
11 جثة
أصحابها
مجهولون
دُفنت في
الملعب الخارجي
لوزارة
الدفاع
النهار 13
تشرين الأول2005
تحقيق – منال شعيا
هم شهود عيان
على وقائع.
يروون تجاربهم
بمرارة. يصفون
مشاهداتهم
بأسى. يكشفون
حقائق بغصّة.
ببساطة هم
شهود عيان على
13 تشرين الاول
1990. في
ذاكرتهم عدد
من الصور
المأسوية،
وفي نفوسهم الكثير
من الحرقة.
قرروا تخطي
المحرمات في
زمن
التغيرات،
ليعلنوا
للمرة الاولى
حقائق مدفونة
من الحقبة
السابقة. تكلموا،
وغالبا ما
عبّروا
بدموعهم، علّ
سلطة ما بعد الوصاية
تتحرك وتقابل
شجاعتهم
بجرأة مماثلة.
13 تشرين الاول 1990:
أعطي الضوء الاخر
لدخول لبنان
"الزمن
السوري".
شهداء. معتقلون.
ضحايا
اعتداء
ومعاناة
مستمرة... من
حقبة عمرها 15
عاما، واجهها
لبنانيون
بتضحيات جمة فكان
ان ثبّت
عسكر ومدنيون
حق الوطن في
استقلاله، فيما
انتظر آخرون
"زلزالا
سياسيا"
ليكتشفوا ظلم
الوصاية.
قيل الكثير
عن 13 تشرين.
صباح ذاك
السبت حين اغارت
طائرات سلاح
الجو السوري
على القصر
الرئاسي في بعبدا
للمرة الاولى
والوحيدة،
كان المطلوب الاطاحة
بالعماد ميشال
عون، الذي لجأ
وسط زنار من
النار الى
السفارة
الفرنسية،
معتقدا ان
المسألة لن
تتعدى ساعات
وانه سيعود
بعد التفاوض
على هدنة، لكن
المطلوب كان
اكبر بكثير...
انها وقائع لا
ينساها
اللبنانيون،
خصوم عون قبل
مؤيديه، كما
لن ينسوا صوت
الجنرال وهو
يذيع بيانه الاخير
كقائد للجيش،
يأمر فيه
قواته
بالالتحاق
بالعماد اميل
لحود ووضع انفسهم
تحت قيادته،
عل ذلك يوقف اطلاق
النار، لكن
فظائع الجيش
السوري
استمرت في عدد
من المناطق.
كلها وقائع
معروفة عن 13
تشرين
الثاني، الذي
يلخصه البعض بـ"صورة
حية عن بربرية
الاحتلال".
ثمة روايات تُكشف
للمرة الاولى
وقد لا تنصفها
الكلمات لان
هناك مصائب
تبقى اكبر من اي وصف.
صحيح اننا
نكتب غالبا ما
لا نستطيع
قوله لان لغة
الكلام تتعطل
حين تلامس
معاناة الافراد
وتصل الى
حدود
اللامعقول،
ولكن عندما
تجلس مع
مسعفَين
سابقَين في
الصليب الاحمر
ليتذكرا ما
شاهداه في 13
تشرين الاول
1990، تتعطل
الكتابة ايضا...
وسرعان ما
تتحول الجلسة
متعبة، مؤثرة
ومثقلة
بالكثير من
الآلام،
فتقترب من تلك
الازدواجية
بين المسعف والانسان،
وتسأل عن
قدرته على
التعايش مع
صور فظيعة لا
تزال محفورة
في ذاكرته
طوال 15 عاما،
فكيف اذا
كان يملك
حقيقة موجعة
بقيت مجهولة اعواما
بفعل زمن
الوصاية؟
جثث لمن؟
اسمه سامي جعارة وهو
مسعف انضم الى
الصليب الاحمر
في اواخر
1989 واستمر حتى
العام 2000، وفي
العام 1996 اصبح
رئيس منطقة بعبدا،
فكان شاهدا
على انتهاكات
وجرائم.
أسعف جرحى.
انتشل جثثا.
تعايش مع
الموت وهو ابن
20 عاما. انطلق
في عمله من
مبدأي الحياد
وعدم الانحياز،
فأسعف سوريين وانقذهم.
كان يحضّر اكياس
الجثث
لينقلها من احراج
بسوس او بسابا او
ضهر
الوحش او
غيرها من
ساحات
المعارك.
تنقّل بين
العبوات والالغام
وكان لا يزال
في بدايات
تطوعه فتحمل
الكثير وشاهد
"كميات" من
الجثث في اوضاع
اكثر من
سيئة ومعظمها
تعود الى
عسكر
لبنانيين. هو
ابن ضابط
سابق، وكان
يسارع
لانتشال جثث
العسكريين
ولفّهم في اكياس.
اليوم،
عندما يمر
سامي في بلدات
بسابا او بسوس
يسترجع بعض
الصور
المؤلمة.
يستعدّ ليروي
لنا، لكنه
يصمت، فتفلت
منه تنهدات
خجولة تحاول ان "تسرق"
الكلام من
وراء لهجة
خافتة سرعان
ما تعلو ليكشف
الحمل الذي في
داخله.
بجرأة
وتصميم
ممزوجين
بحرقة، يقول:
"اعلم ان
هناك 11 جثة
دُفنت في
الملعب
الخارجي
لوزارة الدفاع
في اليرزة
ولا يُعرف اصحابها.
واللافت انه
بعد مرور 11
يوما على
وجودها في مستشفى
بعبدا
الحكومي، اي
من 13 تشرين الاول
الى 24
تشرين الاول،
ظلت تلك الجثث
في المستشفى،
و99 في المئة
من هذه الجثث
تعود الى
عسكريين، كان
يصعب التعرف
عليهم لشدة
التشويه،
بعضهم لا يد
ولا رجل له،
بقوا مرميين
في المستشفى
الذي تحول
وباء طوال هذه
المدة".
جعارة لا يستطيع
السكوت بعد عن
تلك القضية،
وهو مستعد
لمساعدة
السلطة كي
تتبنى معالجة
جدية
للمسألة، وفي
رأيه "لا يجوز
في حق الانسانية
ان يبقى اصحاب هذه
الجثث
مجهولين،
ولاسيما انهم
دُفنوا في
طريقة غير
لائقة"، وهو
يطالب بجملة امور:
"اولا – اثارة
الموضوع في
مجلس النواب
وتشكيل لجنة
من القضاة كي
تتبنى السلطة
رسميا هذه القضية.
ثانيا –
الكشف على
الحفرة في
ملعب
الوزارة، للتأكد
ما اذا
كانت الجثث لا
تزال هناك.
ثالثا – طلب
فحص الحمض
النووي DNA ومقارنتها
مع اهالي
المفقودين في
13 تشرين الاول
1990، حتى يلقوا
المراسم التي
تليق بشهداء الوطن،
لان الطريقة
التي دفنوا بها كانت
مخزية".
ويعرض جعارة
لكل
الاحتمالات،
فيستدرك: "اذا
لم يجدوا
الجثث بعد
الكشف، فتلك
مصيبة اكبر، لان
مسعفين حضروا
المراسم، لا
بل هم من
دفنوا الجثث،
وبالتالي لن
يتأكدوا من
هذه الرواية. قد
يكون مكانها
تغير خلال الاعوام
الفائتة، واذا
صح ذلك لا بد
من فتح تحقيق
في هذا المجال
لمعرفة مكان
وجود الجثث".
واذ يكرر جعارة
استعداده لأي
مساعدة، يؤكد
تبنيه هذا
الموضوع لان
الوقت بات
ملائما لطرح
المسألة جلاء
للحقيقة.
حفرة ولا
عَلَم
مسعف آخر،
فضل عدم ذكر
اسمه، أنزل
بيديه النعوش
الـ11 في الحفرة
في ملعب
الوزارة،
وبالتالي هو
مَن شاهد
الطريقة التي
دُفنت فيها
الجثث.
القصة معه
تبدأ بعد اسبوع
من 13 تشرين الاول
1990، فيخبرنا
كيف نقل جثثا
من بسابا الى
مستشفى بعبدا
الحكومي وكيف
كان يحاول اقناع
امرأة ان
ابنها
العسكري قُتل
لان اسمه وارد
على اللائحة، لكنها
لم تصدق لانها
في كل مرة
كانت تقصد
المستشفى
للتعرف عليه
كانت تعجز،
لشدة التنكيل
بالجثث. يقول
المسعف: "تصوّري
هذا الموقف وانت
تحاولين اقناع
سيدة ان
ابنها مات وهي
لا تصدق".
لعله القدر ان يتولى
هذا المسعف
نقل الجثث الى
المستشفى وان
يدفن لاحقا 11
جثة مجهولة،
وهو يعتقد ان
معظم هذه
الجثث قد تكون
انتُشلت من بسابا لانها
كانت مشوهة
جدا،
وبالتالي
يصعب التعرف
عليها.
يحرك يديه
بانفعال
وبتأثر ويروي:
"في 24 تشرين الاول
نقلنا 11 جثة من
مستشفى بعبدا
الحكومي لعدم امكان ابقائها
فترة اطول،
وتوجهنا الى
وزارة الدفاع
بالتنسيق بين
الوزارة
والمستشفى.
وفي الملعب
الخارجي
للوزارة،
حُفرت حفرة
واحدة كبيرة.
وضعتُ انا
مع مسعفين
آخرين الجثث
الـ11 في
صناديق خشب. دقينا
المسامير في
النعوش وانزلناها
في الحفرة، في
حضور كاهن
وشيخين".
هذا المسعف
يتذكر جيدا
كيف طلب علما
لبنانيا ليرفعه
فوق الحفرة
التي تضم جثث
شهداء عسكر،
وبحسرة يقول:
"لم اوفّق،
لقد تحول
العسكر مجرد ارقام. انزلنا
النعوش مع ارقام،
لا اسم ولا
عائلة. لا
يمكن ان انسى ذلك
اليوم وانا
ادفن هذه
الجثث. كان
المسعفون
وحدهم في
مراسم شهداء
وطن، ومن بعيد
تشاركنا
امرأة تقف
وحيدة وتبكي،
وبعدما حدقت
في وجهها،
علمتُ انها
المرأة نفسها
التي كانت
ترفض التصديق ان ابنها
بين الجثث في بسابا،
لكنها أبت الا
ان ترمق
ابنها
العسكري –
الشهيد بنظرة اخيرة".
انها لحظة
يعجز المسعف
عن وصفها.
يصمت ثم
يتمتم: "شعور
فظيع وانت
تدقّين
مسمارا في نعش
جندي لبناني،
فيما جندي
سوري يقف فوق
الحفرة (...)".
ويتابع:
"كمسعفين في
الصليب الاحمر،
كنا لا نستطيع
التكلم.
اليوم، لا
نستطيع الصمت
ونريد ان
نعرف ما اذا
كانت هذه
الجثث لا تزال
في مكانها،
ومَن هم اصحابها".
غريب ان
يكون هذا
المسعف شاهد
كل تلك
المصاعب لا بل
لامسها. هو
يكبر سامي
سناً، وكان
تطوّع قبله.
هو شاهد عيان
على الكثير من
السرقات. رأى
جثة تتحلّل امامه
واختبر الاسر،
انما كل
هذه التجارب
لا تُقاس امام
مشهد لا يمكن
للزمن، مهما
طال، ان
يمحوه من
ذاكرته حين
شاهد جثة
صديقه روك
جبور
مرمية على الارض
بالقرب منه،
بعدما "اعدمته"
القوات
السورية رميا
بالرصاص مع
مجموعة غيره،
على حائط
كنيسة السيدة
في الحدت.
يغصّ
المسعف،
يبكي، ويقول
عبارات عدة:
"رأيت روك
ميتا، بس ما
كان فيّي
اعمل شي".
وتتعدد
الروايات
معه، كأن قدره
لا ان
ينتشل جثثا
فقط بل ان
يدفنها. ففي
بسوس، اضطر ان يفتح
المقابر
ليدفن فيها
مدنيين بعدما
اقتحم الجيش
السوري
البلدة و"فظّع"
بأهلها.
وكأن كل هذه
المآسي لا
تكفي، اذ
انه أُسِر لحوالى
15 ساعة على ايدي
السوريين في 13
تشرين الاول
وهو ينفذ احدى
مهماته الانسانية
في نقل
عسكريين من
مستشفى الالمان
الى
المستشفى
العسكري.
يضيف: "في ذلك
اليوم،
توجهتُ مع
مسعفين آخرين
للقيام
بعملنا، وحين
وصلنا قرب
كنيسة مار
جرجس في الحدت،
رأينا الدخان
يتصاعد من قصر
بعبدا. ثم
شاهدنا جنودا
لبنانيين من
دون سلاح
وخلفهم جنود
سوريون
مسلحون.
تابعنا
طريقنا وما
لبث ان اوقفنا
احد
العسكريين
السوريين
طالبا انقاذ
زملاء له وامرنا
بنقل عسكريين
لبنانيين
ليدلونا على
الطريق، لكنه اصر على ان يدخل
السوريون باسلحتهم
سيارة الاسعاف،
فرفضنا لان
قوانين
الصليب الاحمر
تمنع ذلك، لكن
العسكري
السوري لم
يمتثل فكان يردد
"معك حق اخي"،
ويأمر رفاقه
بدخول
السيارة، فلم
نستطع الممانعة.
ارشدونا الى الطريق.
ووصلنا الى
"فيلاّ
ماريا". كان
هناك جنود
سوريون جرحى
وحالتهم خطرة
جدا. تولينا اسعافهم
لكننا مُنعنا
من المغادرة
بعدما انجزنا
مهمتنا. بقينا
حوالى 15
ساعة فيما
تحولت سيارة الاسعاف
مركز ذخيرة،
فانقطع
الاتصال مع
قيادتنا ولم نتمكن
من الخروج".
في هذه
الساعات، لم
يكن المسعف
ورفاقه اسرى
لوحدهم بل كان
هناك جنود
لبنانيون اسرى
بإمرة
السوريين،
فعاين
المتطوعون في
الصليب الاحمر
حالات تعذيب
تعرض لها
الجنود
اللبنانيون،
بحيث كان
السوريون
يقفزون فوق اجسادهم
مطلقين شتائم
وعبارات
نابية...
وظل المسعف
حتى الليل اسيرا
الى ان
اتصل بمركز
الصليب الاحمر.
يعلّق: "خرجنا
من "فيلا
ماريا"
وعندما وصلنا الى
مستشفى سان
تريز، شاهدت
دبابات سورية
تقل مدنيين واصغرهم
في سن الـ15
عاما، يقفزون
يمينا ويسارا
من الدبابات،
ومن ثم يعودون
محملين باكياس.
وهناك أذكر
جيدا وجه
النائب
السابق بيار
دكاش قرب
المستشفى وهو
يطلب وقف
السرقات
مستنكرا، لكن
فوضى عارمة لا
توصف انتشرت
في المكان".
اللافت ان
هذا المسعف
الذي تطوع في
الصليب الاحمر
عام 1988 سافر الى
الخارج عام 1991
بعدما عايش
حربي التحرير والالغاء،
وهو الذي
انتشل جثة احد
حراس الجنرال
الذي قُتل في
قصر بعبدا
اثر محاولة
اغتيال عون في
12 تشرين الاول،
ولاحقا انتشل
جثة الشهيد
داني شمعون
وزوجته
وطفليه في 21
تشرين الاول
1990.
قبل ان
ننهي الحديث،
تشعر انه يفيض
بكل ما اكتنزه
من تلك
التجربة. بغصة
دفينة يخبرك
كيف انتشل جثة
مسنّ وهو
مختبئ في غرفة
صغيرة،
بالكاد تستوعبه،
في اليرزة.
حينها لم
يستطع الا
ان يجمعه
عظاما في كيس
وينقله على
ظهره الى احدى
المقابر
القريبة.
ضهر الوحش
وبسوس
وقصة سامي جعارة مع 13
تشرين الاول
1990 لا تقل
تأثيرا.
عندما تسأله
ماذا شاهدت؟
يجيب: "شو ما
شفت. اوف.
يوميا، كانت
تردنا
معلومات عن
جثث في بسوس او بسابا
او مناطق اخرى. كنا
نذهب مساء
للتأكد من
وجودها من
بُعد، لاننا
كنا نخاف
الاقتراب
تحسبا للالغام.
فنستعد حتى
نعود في صباح
اليوم
التالي، حاملين
الاكياس
لنقل الجثث،
وغالبا الى
مستشفى بعبدا
الحكومي. هناك
كانت تنتظرنا
مأساة اخرى،
ففي المستشفى
ثلاثة برادات
فقط، وكانت
المهمة صعبة
جدا. في
البداية، وضعنا
اكياس
النايلون على
النوافذ
المحطمة بسبب
القصف، ثم
رتبنا الجثث
فوق بعضها
وبكميات ضخمة.
غالبيتها
تعود الى
عسكريين،
ويفوق عددهم المئة.
ومعظمهم لم
يقضوا في
المعركة، انما
بعدها، بدليل اننا كنا
ننتشلهم وهم
بقرب بعضهم، اي انه تمت
تصفيتهم. وفي بسابا
مثلا، كانت كل
جثة الى
جانب اخرى
والضربة في
الرأس".
مشهد أليم
يتذكره جعارة
جيدا في ضهر
الوحش حيث
ارتكبت احدى
المجازر في حق
جنود
لبنانيين،
وتحديدا قرب "غاليري
خير الله" حين
رأى حوالى
15 جثة مرصوفة،
وبعضها عار،
وكلها اصيبت
في الرأس.
ولانه في كل
منطقة قصة.
وفي كل قصة
معاناة،
تنقطع الكلمات
حين يتحدث جعارة
عن بسوس.
يتنهد ثم
يتابع: "حين
دخل السوريون
البلدة،
اقتحموا اول
بناية وقتلوا افراد
العائلة،
وجميعهم من
المدنيين.
فرقوا الرجال
عن النساء والاطفال
واعدموا
الرجال واحدا
تلو الآخر امام
اعين
زوجاتهم
وشقيقاتهم واولادهم.
وسط هذه
العبثية
تمكنت سيدة من
انقاذ
ابنها بعدما
وضعت له
منديلا، فظنه
السوريون فتاة
وتركوه".
بعد ايام
وصل خبر
المجزرة الى
مركز الاسعاف،
فحضّر سامي اكياس
الجثث
كالعادة،
وحين دخل بلدة
بسوس علم انه
لم يسلم الا
النساء اللواتي
كن مختبئات في
قبو، فتحدثن
عما حصل. ويتذكر
كيف طلبن منه
نقلهن الى
عين الرمانة
عند احد الاقارب،
وكيف لم يبق الا هذا
الطفل الصغير
الذي أُنقذ
بالحيلة.
اما اقسى
صورة انطبعت
في ذاكرة جعارة
عن بسوس، فتلك
الفتاة التي
كادت تنهار امامه وهي
تطلب منه
الانضمام الى
الصليب الاحمر،
فقط لانها
رأت شقيقها
يُقتل امامها
ولم تتمكن من انقاذه،
فشاهدته
طويلا وهو
ينزف، وهي
عاجزة عن فعل اي شيء.
صور... مشاهد
بقيت في مخيلة
جعارة،
وهو ظل لفترة
لا يستطيع ان
يأكل قطعة
لحم. اما
تاريخ 13 تشرين الاول
فيحاول ألاّ
يتذكره،
ويعجز...
لا يمكن ان
يمر 13 تشرين الاول من
دون تذكّر
المعتقلين في
السجون
السورية، ولا سيما من
اعتُقل من
العسكريين في
ذلك التاريخ،
ومن لا تزال
معاناتهم
مستمرة... في
الحلقة
الثانية من
هذا التحقيق،
تتكلم فيوليت ناصيف،
وهي نموذج
لآلام أهالي
المعتقلين.
هذا اليوم،
تمضيه فيوليت ناصيف في
الصلاة. لا
ترى احداً.
انه نهار شؤم
بالنسبة اليها:
"يا ريت
ما كان في 13
تشرين الأول،
يا ريت فيّي إمحيه
من الروزنامة"
تقول باكية.
معتقلون لماذا؟
أمهات مشين
على طرق
سوريا. دفعن
من حياتهن
ومالهن مقابل لامبالاة
رسمية. تعرضن
لأكثر من
ابتزاز. كافحن
بكل ما لديهن
من أجل اعزّ
ما يملكن، وادركن
ان كل يوم
تأخير في هذه
القضية يصعّب
المعالجة.
كل الحوادث
دلّت على صدقية
مطالب اهالي
المعتقلين
وصحة
البراهين،
وخصوصاً ان
كل نفي رسمي
كان يعقبه اطلاق
عدد من
الموقوفين،
ولو ان المسؤولين
اللبنانيين
تعاطوا مع الملف
انسانياً
لما اضطر الاهالي
الى
الاتصال
بهيئات
عالمية
وسفارات او
الى
الاعتصام
المتواصل منذ
سبعة اشهر
امام مقر الامم
المتحدة في
ساحة رياض
الصلح. مع ذلك
ثمة واقع لا
يمكن اخفاؤه،
وهو ان
ثمة خوفاً من
ردة فعل
لبنانية،
لأنّ بعض المجموعات
السياسية
المحلية كانت
متحالفة مع
سوريا وتورطت
في تسليم
لبنانيين الى
القوات
السورية
وبالتالي لا
تريد الخوض في
هذا الموضوع،
رغم تغير
الكثير من
المعطيات.
لكن فيوليت ناصيف لا
تخشى شيئاً،
هي مشت بين
القنابل. قطعت
المعابر لترى
ابنها جوني،
العريف في
الجيش
اللبناني،
كان في ضهر
الوحش في صفوف
المواجهة
وعمره فقط 15
عاماً. رأته
فيوليت للمرة الاخيرة
قبل
الاعتقال، في
12 تشرين الاول
1990، وفي 13 تشرين،
كان عرس
شقيقيها في
الجنوب. فصعدت
لتفرح بهما
ولم تدر ماذا
ينتظرها،
هناك تذكرت
فجأة جوني
وشعرت بحصول
مكروه ما، ولم
تدرك الحقيقة الا في
اليوم التالي.
من خيمة
الاعتصام
المتواصل،
تروي فيوليت
رحلتها مع
المعاناة: هي
لم تترك
مستشفى الا
وقصدتها، لم
تترك براداً الا
وفتحته،
تحاملت على
نفسها علها
ترى جثة ابنها
"البطل"،
عاينت اكثر
من 30 جثة
لتتعرف على
علامة فارقة
في "زكرة"
ابنها ولم
تفلح. تروي:
"مشيت في حقول
عاريّا والكحالة.
ظننت ان جوني وقع
هناك، تحولتُ
كلب صيد وركضت
وحيدة". امضت
فيوليت حوالى
اسبوعين
على الحال
نفسها حتى قرر
بعض الاصدقاء
من سوريا
مساعدتها
لمعرفة ما اذا
كان ابنها بين
المعتقلين.
وهكذا تأكدت،
ولأنها قررت
اليوم التكلم
"عالمكشوف"،
تكشف ان
"شقيقة غازي
كنعان اخبرت
هؤلاء الاصدقاء
ان جوني
في سوريا،
وقالت: اذهبوا
وطمنوا
والدته ان
المجرود (اي
القوي) لم يمت
تحت العذاب".
عندها لم
تصدّق فيوليت
الخبر، ركضت
في الشارع ،
قبّلت الارض.
وصرخت "ابني
لم يمت لكنه اصبح أصغر
المعتقلين".
في 16/11/1990 زارها
عسكري من قيادة
الجيش، وكان
العماد لحود
حينها
قائداً، وطلب
منها زيارة
القيادة.
تقول: "هناك
أعطوني برقية
تفيد ان جوني
وخمسة
عسكريين
آخرين تبين انهم غير
متوفين"،
وتبرز فيوليت
البرقية،
وتضيف: "اسم جوني الاول
بينهم، وعممت
هذه البرقية
على كل
الوحدات". ويومها،
قال لها الكابتن
نقولا
فاضل: "تعبك لم
يذهب سدى،
وابنك في
سوريا".
منذ ذلك
اليوم، صبّت
فيوليت كل
جهودها في هذا
الاتجاه.
"الدولة
تركتنا"
"الدولة
تركتنا نفتش
بين الجثث عن اولادنا،
هي تخلت عن
جيش وطني دافع
عن بلاده". هكذا تصف
فيوليت ناصيف
مرارة 15
عاماً،
و"النتيجة
كانت ان
استهزأت
السلطة
بمعاناتنا
وتركت
العائلات وحدها
تواجه المصير
الصعب. بعضهم
لم يحتمل، فأي
قوة يمكن ان
يتحلّى بها
أب أو أم وهما
ينبشان الجثث
ويفكران بابن
اختار الجبهة
من اجل
السيادة
والاستقلال؟".
بعد جهد فردي،
زارت فيوليت
سوريا والتقت
اللواء ابرهيم
البيطار في نادي
الضباط قرب أوتيل "الميريديان"،
فافادها ان "جنود
عون موزعون
على ثلاثة
فروع
للتحقيق". في
المقابل،
تكررت
الزيارات
لسوريا، ولم
تسأل عن اموال
او تعب. في
1991، قصدت القرداحة
والتقت اقرباء
الرئيس حافظ الاسد
وذهبت
برفقتهم لترى
ابنها في فرع
التحقيق العسكري،
هناك شاهد
طبيب الفرع
صورة جوني
فأكد لوالدته
انه موجود
وشاهده وهو
يعاينه بعد
التعذيب الذي
تعرض له،
وطمأنها انها
سترى جوني
ومن دون بطاقة
زيارة شرط الا
تتكلم.
ولم تتكلم،
حتى انها
في الفترة الاولى
لم تخبر زوجها
واولادها.
تقول: "اصبحت
خائفة على
ابني من نفسي".
دموع فيوليت
لا تتوقف.
تنهمر على
قسمات وجه نالت
منه الاعوام
والمعاناة
والمرارة.
دقيقتان
كانت كافية
لتطمئن على
ابنها حتى لو لم
تتحدث معه.
تهز رأسها
وتروي: "جلست
في مكتب الفرع
وسرعان ما أتى
جوني ،
رأيته فقط
لدقيقتين".
وتختنق
الكلمات وسط الغصّة:
"كتّر
خير الله.
ابني ما مات. شفتو".
سيدتان هما
فيوليت ناصيف
وصونيا
عيد (والدة
المعتقل جهاد
عيد) بدأتا
النضال، فشكّلتا
مصدر قوة
للمجموعة
التي تحلّقت
حولهما لأن
المعاناة
تجمع، وكان
غازي عاد المحرك
الاساسي
وحامل لواء
القضية في
المحافل
الدولية، وهو زار
أخيراً
نيويورك
للغاية
نفسها، بعدما
أصمّت الجهات
المحلية
آذانها طويلاً.
في العام 1991، توقفت فيوليت عن زيارة سوريا لعدم توريط الاشخاص الذين مهدوا لها الزيارة الاولى. لكن الغريب، انه في احد الايام من العام نفسه طلب منها الصعود الى قيادة الجيش. تشرح: "سألوني عمّا اذا كانت لدي معلومات وماذا اعرف، عندها تملّكني الغضب وصرخت في وجه الضابط: على شو إنتو مخابرات؟ إنتو لازم تخبروني عن ابني!! ثم قلت ان اللواء البيطار اكد لي وجود جوني في سوريا. وصرخت: اذهبوا وأطلق