13 تشرين الأول 1990 بعد 15 عاماً: ذاكرة الموت والاعتقال

مسعفان من الصليب الأحمر يرويان فصولاً جديدة من المأساة:

11 جثة أصحابها مجهولون دُفنت في الملعب الخارجي لوزارة الدفاع

النهار 13 تشرين الأول2005

تحقيق منال شعيا

هم شهود عيان على وقائع. يروون تجاربهم بمرارة. يصفون مشاهداتهم بأسى. يكشفون حقائق بغصّة. ببساطة هم شهود عيان على 13 تشرين الاول 1990. في ذاكرتهم عدد من الصور المأسوية، وفي نفوسهم الكثير من الحرقة. قرروا تخطي المحرمات في زمن التغيرات، ليعلنوا للمرة الاولى حقائق مدفونة من الحقبة السابقة. تكلموا، وغالبا ما عبّروا بدموعهم، علّ سلطة ما بعد الوصاية تتحرك وتقابل شجاعتهم بجرأة مماثلة.

13 تشرين الاول 1990: أعطي الضوء الاخر لدخول لبنان "الزمن السوري".

شهداء. معتقلون. ضحايا اعتداء ومعاناة مستمرة... من حقبة عمرها 15 عاما، واجهها لبنانيون بتضحيات جمة فكان ان ثبّت عسكر ومدنيون حق الوطن في استقلاله، فيما انتظر آخرون "زلزالا سياسيا" ليكتشفوا ظلم الوصاية.

قيل الكثير عن 13 تشرين. صباح ذاك السبت حين اغارت طائرات سلاح الجو السوري على القصر الرئاسي في بعبدا للمرة الاولى والوحيدة، كان المطلوب الاطاحة بالعماد ميشال عون، الذي لجأ وسط زنار من النار الى السفارة الفرنسية، معتقدا ان المسألة لن تتعدى ساعات وانه سيعود بعد التفاوض على هدنة، لكن المطلوب كان اكبر بكثير...

انها وقائع لا ينساها اللبنانيون، خصوم عون قبل مؤيديه، كما لن ينسوا صوت الجنرال وهو يذيع بيانه الاخير كقائد للجيش، يأمر فيه قواته بالالتحاق بالعماد اميل لحود ووضع انفسهم تحت قيادته، عل ذلك يوقف اطلاق النار، لكن فظائع الجيش السوري استمرت في عدد من المناطق.

كلها وقائع معروفة عن 13 تشرين الثاني، الذي يلخصه البعض بـ"صورة حية عن بربرية الاحتلال". ثمة روايات تُكشف للمرة الاولى وقد لا تنصفها الكلمات لان هناك مصائب تبقى اكبر من اي وصف. صحيح اننا نكتب غالبا ما لا نستطيع قوله لان لغة الكلام تتعطل حين تلامس معاناة الافراد وتصل الى حدود اللامعقول، ولكن عندما تجلس مع مسعفَين سابقَين في الصليب الاحمر ليتذكرا ما شاهداه في 13 تشرين الاول 1990، تتعطل الكتابة ايضا... وسرعان ما تتحول الجلسة متعبة، مؤثرة ومثقلة بالكثير من الآلام، فتقترب من تلك الازدواجية بين المسعف والانسان، وتسأل عن قدرته على التعايش مع صور فظيعة لا تزال محفورة في ذاكرته طوال 15 عاما، فكيف اذا كان يملك حقيقة موجعة بقيت مجهولة اعواما بفعل زمن الوصاية؟

جثث لمن؟

اسمه سامي جعارة وهو مسعف انضم الى الصليب الاحمر في اواخر 1989 واستمر حتى العام 2000، وفي العام 1996 اصبح رئيس منطقة بعبدا، فكان شاهدا على انتهاكات وجرائم.

أسعف جرحى. انتشل جثثا. تعايش مع الموت وهو ابن 20 عاما. انطلق في عمله من مبدأي الحياد وعدم الانحياز، فأسعف سوريين وانقذهم.

كان يحضّر اكياس الجثث لينقلها من احراج بسوس او بسابا او ضهر الوحش او غيرها من ساحات المعارك.

تنقّل بين العبوات والالغام وكان لا يزال في بدايات تطوعه فتحمل الكثير وشاهد "كميات" من الجثث في اوضاع اكثر من سيئة ومعظمها تعود الى عسكر لبنانيين. هو ابن ضابط سابق، وكان يسارع لانتشال جثث العسكريين ولفّهم في اكياس.

اليوم، عندما يمر سامي في بلدات بسابا او بسوس يسترجع بعض الصور المؤلمة. يستعدّ ليروي لنا، لكنه يصمت، فتفلت منه تنهدات خجولة تحاول ان "تسرق" الكلام من وراء لهجة خافتة سرعان ما تعلو ليكشف الحمل الذي في داخله.

بجرأة وتصميم ممزوجين بحرقة، يقول: "اعلم ان هناك 11 جثة دُفنت في الملعب الخارجي لوزارة الدفاع في اليرزة ولا يُعرف اصحابها. واللافت انه بعد مرور 11 يوما على وجودها في مستشفى بعبدا الحكومي، اي من 13 تشرين الاول الى 24 تشرين الاول، ظلت تلك الجثث في المستشفى، و99 في المئة من هذه الجثث تعود الى عسكريين، كان يصعب التعرف عليهم لشدة التشويه، بعضهم لا يد ولا رجل له، بقوا مرميين في المستشفى الذي تحول وباء طوال هذه المدة".

جعارة لا يستطيع السكوت بعد عن تلك القضية، وهو مستعد لمساعدة السلطة كي تتبنى معالجة جدية للمسألة، وفي رأيه "لا يجوز في حق الانسانية ان يبقى اصحاب هذه الجثث مجهولين، ولاسيما انهم دُفنوا في طريقة غير لائقة"، وهو يطالب بجملة امور:

"اولا اثارة الموضوع في مجلس النواب وتشكيل لجنة من القضاة كي تتبنى السلطة رسميا هذه القضية.

ثانيا الكشف على الحفرة في ملعب الوزارة، للتأكد ما اذا كانت الجثث لا تزال هناك.

ثالثا طلب فحص الحمض النووي DNA ومقارنتها مع اهالي المفقودين في 13 تشرين الاول 1990، حتى يلقوا المراسم التي تليق بشهداء الوطن، لان الطريقة التي دفنوا بها كانت مخزية".

ويعرض جعارة لكل الاحتمالات، فيستدرك: "اذا لم يجدوا الجثث بعد الكشف، فتلك مصيبة اكبر، لان مسعفين حضروا المراسم، لا بل هم من دفنوا الجثث، وبالتالي لن يتأكدوا من هذه الرواية. قد يكون مكانها تغير خلال الاعوام الفائتة، واذا صح ذلك لا بد من فتح تحقيق في هذا المجال لمعرفة مكان وجود الجثث".

واذ يكرر جعارة استعداده لأي مساعدة، يؤكد تبنيه هذا الموضوع لان الوقت بات ملائما لطرح المسألة جلاء للحقيقة.

حفرة ولا عَلَم

مسعف آخر، فضل عدم ذكر اسمه، أنزل بيديه النعوش الـ11 في الحفرة في ملعب الوزارة، وبالتالي هو مَن شاهد الطريقة التي دُفنت فيها الجثث.

القصة معه تبدأ بعد اسبوع من 13 تشرين الاول 1990، فيخبرنا كيف نقل جثثا من بسابا الى مستشفى بعبدا الحكومي وكيف كان يحاول اقناع امرأة ان ابنها العسكري قُتل لان اسمه وارد على اللائحة، لكنها لم تصدق لانها في كل مرة كانت تقصد المستشفى للتعرف عليه كانت تعجز، لشدة التنكيل بالجثث. يقول المسعف: "تصوّري هذا الموقف وانت تحاولين اقناع سيدة ان ابنها مات وهي لا تصدق".

لعله القدر ان يتولى هذا المسعف نقل الجثث الى المستشفى وان يدفن لاحقا 11 جثة مجهولة، وهو يعتقد ان معظم هذه الجثث قد تكون انتُشلت من بسابا لانها كانت مشوهة جدا، وبالتالي يصعب التعرف عليها.

يحرك يديه بانفعال وبتأثر ويروي: "في 24 تشرين الاول نقلنا 11 جثة من مستشفى بعبدا الحكومي لعدم امكان ابقائها فترة اطول، وتوجهنا الى وزارة الدفاع بالتنسيق بين الوزارة والمستشفى. وفي الملعب الخارجي للوزارة، حُفرت حفرة واحدة كبيرة. وضعتُ انا مع مسعفين آخرين الجثث الـ11 في صناديق خشب. دقينا المسامير في النعوش وانزلناها في الحفرة، في حضور كاهن وشيخين".

هذا المسعف يتذكر جيدا كيف طلب علما لبنانيا ليرفعه فوق الحفرة التي تضم جثث شهداء عسكر، وبحسرة يقول: "لم اوفّق، لقد تحول العسكر مجرد ارقام. انزلنا النعوش مع ارقام، لا اسم ولا عائلة. لا يمكن ان انسى ذلك اليوم وانا ادفن هذه الجثث. كان المسعفون وحدهم في مراسم شهداء وطن، ومن بعيد تشاركنا امرأة تقف وحيدة وتبكي، وبعدما حدقت في وجهها، علمتُ انها المرأة نفسها التي كانت ترفض التصديق ان ابنها بين الجثث في بسابا، لكنها أبت الا ان ترمق ابنها العسكري الشهيد بنظرة اخيرة".

انها لحظة يعجز المسعف عن وصفها. يصمت ثم يتمتم: "شعور فظيع وانت تدقّين مسمارا في نعش جندي لبناني، فيما جندي سوري يقف فوق الحفرة (...)".

ويتابع: "كمسعفين في الصليب الاحمر، كنا لا نستطيع التكلم. اليوم، لا نستطيع الصمت ونريد ان نعرف ما اذا كانت هذه الجثث لا تزال في مكانها، ومَن هم اصحابها".

غريب ان يكون هذا المسعف شاهد كل تلك المصاعب لا بل لامسها. هو يكبر سامي سناً، وكان تطوّع قبله. هو شاهد عيان على الكثير من السرقات. رأى جثة تتحلّل امامه واختبر الاسر، انما كل هذه التجارب لا تُقاس امام مشهد لا يمكن للزمن، مهما طال، ان يمحوه من ذاكرته حين شاهد جثة صديقه روك جبور مرمية على الارض بالقرب منه، بعدما "اعدمته" القوات السورية رميا بالرصاص مع مجموعة غيره، على حائط كنيسة السيدة في الحدت.

يغصّ المسعف، يبكي، ويقول عبارات عدة: "رأيت روك ميتا، بس ما كان فيّي اعمل شي".

وتتعدد الروايات معه، كأن قدره لا ان ينتشل جثثا فقط بل ان يدفنها. ففي بسوس، اضطر ان يفتح المقابر ليدفن فيها مدنيين بعدما اقتحم الجيش السوري البلدة و"فظّع" بأهلها.

وكأن كل هذه المآسي لا تكفي، اذ انه أُسِر لحوالى 15 ساعة على ايدي السوريين في 13 تشرين الاول وهو ينفذ احدى مهماته الانسانية في نقل عسكريين من مستشفى الالمان الى المستشفى العسكري.

يضيف: "في ذلك اليوم، توجهتُ مع مسعفين آخرين للقيام بعملنا، وحين وصلنا قرب كنيسة مار جرجس في الحدت، رأينا الدخان يتصاعد من قصر بعبدا. ثم شاهدنا جنودا لبنانيين من دون سلاح وخلفهم جنود سوريون مسلحون. تابعنا طريقنا وما لبث ان اوقفنا احد العسكريين السوريين طالبا انقاذ زملاء له وامرنا بنقل عسكريين لبنانيين ليدلونا على الطريق، لكنه اصر على ان يدخل السوريون باسلحتهم سيارة الاسعاف، فرفضنا لان قوانين الصليب الاحمر تمنع ذلك، لكن العسكري السوري لم يمتثل فكان يردد "معك حق اخي"، ويأمر رفاقه بدخول السيارة، فلم نستطع الممانعة. ارشدونا الى الطريق. ووصلنا الى "فيلاّ ماريا". كان هناك جنود سوريون جرحى وحالتهم خطرة جدا. تولينا اسعافهم لكننا مُنعنا من المغادرة بعدما انجزنا مهمتنا. بقينا حوالى 15 ساعة فيما تحولت سيارة الاسعاف مركز ذخيرة، فانقطع الاتصال مع قيادتنا ولم نتمكن من الخروج".

في هذه الساعات، لم يكن المسعف ورفاقه اسرى لوحدهم بل كان هناك جنود لبنانيون اسرى بإمرة السوريين، فعاين المتطوعون في الصليب الاحمر حالات تعذيب تعرض لها الجنود اللبنانيون، بحيث كان السوريون يقفزون فوق اجسادهم مطلقين شتائم وعبارات نابية...

وظل المسعف حتى الليل اسيرا الى ان اتصل بمركز الصليب الاحمر. يعلّق: "خرجنا من "فيلا ماريا" وعندما وصلنا الى مستشفى سان تريز، شاهدت دبابات سورية تقل مدنيين واصغرهم في سن الـ15 عاما، يقفزون يمينا ويسارا من الدبابات، ومن ثم يعودون محملين باكياس. وهناك أذكر جيدا وجه النائب السابق بيار دكاش قرب المستشفى وهو يطلب وقف السرقات مستنكرا، لكن فوضى عارمة لا توصف انتشرت في المكان".

اللافت ان هذا المسعف الذي تطوع في الصليب الاحمر عام 1988 سافر الى الخارج عام 1991 بعدما عايش حربي التحرير والالغاء، وهو الذي انتشل جثة احد حراس الجنرال الذي قُتل في قصر بعبدا اثر محاولة اغتيال عون في 12 تشرين الاول، ولاحقا انتشل جثة الشهيد داني شمعون وزوجته وطفليه في 21 تشرين الاول 1990.

قبل ان ننهي الحديث، تشعر انه يفيض بكل ما اكتنزه من تلك التجربة. بغصة دفينة يخبرك كيف انتشل جثة مسنّ وهو مختبئ في غرفة صغيرة، بالكاد تستوعبه، في اليرزة. حينها لم يستطع الا ان يجمعه عظاما في كيس وينقله على ظهره الى احدى المقابر القريبة.

ضهر الوحش وبسوس

وقصة سامي جعارة مع 13 تشرين الاول 1990 لا تقل تأثيرا.

عندما تسأله ماذا شاهدت؟ يجيب: "شو ما شفت. اوف. يوميا، كانت تردنا معلومات عن جثث في بسوس او بسابا او مناطق اخرى. كنا نذهب مساء للتأكد من وجودها من بُعد، لاننا كنا نخاف الاقتراب تحسبا للالغام. فنستعد حتى نعود في صباح اليوم التالي، حاملين الاكياس لنقل الجثث، وغالبا الى مستشفى بعبدا الحكومي. هناك كانت تنتظرنا مأساة اخرى، ففي المستشفى ثلاثة برادات فقط، وكانت المهمة صعبة جدا. في البداية، وضعنا اكياس النايلون على النوافذ المحطمة بسبب القصف، ثم رتبنا الجثث فوق بعضها وبكميات ضخمة. غالبيتها تعود الى عسكريين، ويفوق عددهم المئة. ومعظمهم لم يقضوا في المعركة، انما بعدها، بدليل اننا كنا ننتشلهم وهم بقرب بعضهم، اي انه تمت تصفيتهم. وفي بسابا مثلا، كانت كل جثة الى جانب اخرى والضربة في الرأس".

مشهد أليم يتذكره جعارة جيدا في ضهر الوحش حيث ارتكبت احدى المجازر في حق جنود لبنانيين، وتحديدا قرب "غاليري خير الله" حين رأى حوالى 15 جثة مرصوفة، وبعضها عار، وكلها اصيبت في الرأس.

ولانه في كل منطقة قصة. وفي كل قصة معاناة، تنقطع الكلمات حين يتحدث جعارة عن بسوس. يتنهد ثم يتابع: "حين دخل السوريون البلدة، اقتحموا اول بناية وقتلوا افراد العائلة، وجميعهم من المدنيين. فرقوا الرجال عن النساء والاطفال واعدموا الرجال واحدا تلو الآخر امام اعين زوجاتهم وشقيقاتهم واولادهم. وسط هذه العبثية تمكنت سيدة من انقاذ ابنها بعدما وضعت له منديلا، فظنه السوريون فتاة وتركوه".

بعد ايام وصل خبر المجزرة الى مركز الاسعاف، فحضّر سامي اكياس الجثث كالعادة، وحين دخل بلدة بسوس علم انه لم يسلم الا النساء اللواتي كن مختبئات في قبو، فتحدثن عما حصل. ويتذكر كيف طلبن منه نقلهن الى عين الرمانة عند احد الاقارب، وكيف لم يبق الا هذا الطفل الصغير الذي أُنقذ بالحيلة.

اما اقسى صورة انطبعت في ذاكرة جعارة عن بسوس، فتلك الفتاة التي كادت تنهار امامه وهي تطلب منه الانضمام الى الصليب الاحمر، فقط لانها رأت شقيقها يُقتل امامها ولم تتمكن من انقاذه، فشاهدته طويلا وهو ينزف، وهي عاجزة عن فعل اي شيء.

صور... مشاهد بقيت في مخيلة جعارة، وهو ظل لفترة لا يستطيع ان يأكل قطعة لحم. اما تاريخ 13 تشرين الاول فيحاول ألاّ يتذكره، ويعجز...

لا يمكن ان يمر 13 تشرين الاول من دون تذكّر المعتقلين في السجون السورية، ولا سيما من اعتُقل من العسكريين في ذلك التاريخ، ومن لا تزال معاناتهم مستمرة... في الحلقة الثانية من هذا التحقيق، تتكلم فيوليت ناصيف، وهي نموذج لآلام أهالي المعتقلين. هذا اليوم، تمضيه فيوليت ناصيف في الصلاة. لا ترى احداً. انه نهار شؤم بالنسبة اليها: "يا ريت ما كان في 13 تشرين الأول، يا ريت فيّي إمحيه من الروزنامة" تقول باكية.

معتقلون لماذا؟

أمهات مشين على طرق سوريا. دفعن من حياتهن ومالهن مقابل لامبالاة رسمية. تعرضن لأكثر من ابتزاز. كافحن بكل ما لديهن من أجل اعزّ ما يملكن، وادركن ان كل يوم تأخير في هذه القضية يصعّب المعالجة.

كل الحوادث دلّت على صدقية مطالب اهالي المعتقلين وصحة البراهين، وخصوصاً ان كل نفي رسمي كان يعقبه اطلاق عدد من الموقوفين، ولو ان المسؤولين اللبنانيين تعاطوا مع الملف انسانياً لما اضطر الاهالي الى الاتصال بهيئات عالمية وسفارات او الى الاعتصام المتواصل منذ سبعة اشهر امام مقر الامم المتحدة في ساحة رياض الصلح. مع ذلك ثمة واقع لا يمكن اخفاؤه، وهو ان ثمة خوفاً من ردة فعل لبنانية، لأنّ بعض المجموعات السياسية المحلية كانت متحالفة مع سوريا وتورطت في تسليم لبنانيين الى القوات السورية وبالتالي لا تريد الخوض في هذا الموضوع، رغم تغير الكثير من المعطيات.

لكن فيوليت ناصيف لا تخشى شيئاً، هي مشت بين القنابل. قطعت المعابر لترى ابنها جوني، العريف في الجيش اللبناني، كان في ضهر الوحش في صفوف المواجهة وعمره فقط 15 عاماً. رأته فيوليت للمرة الاخيرة قبل الاعتقال، في 12 تشرين الاول 1990، وفي 13 تشرين، كان عرس شقيقيها في الجنوب. فصعدت لتفرح بهما ولم تدر ماذا ينتظرها، هناك تذكرت فجأة جوني وشعرت بحصول مكروه ما، ولم تدرك الحقيقة الا في اليوم التالي.

من خيمة الاعتصام المتواصل، تروي فيوليت رحلتها مع المعاناة: هي لم تترك مستشفى الا وقصدتها، لم تترك براداً الا وفتحته، تحاملت على نفسها علها ترى جثة ابنها "البطل"، عاينت اكثر من 30 جثة لتتعرف على علامة فارقة في "زكرة" ابنها ولم تفلح. تروي: "مشيت في حقول عاريّا والكحالة. ظننت ان جوني وقع هناك، تحولتُ كلب صيد وركضت وحيدة". امضت فيوليت حوالى اسبوعين على الحال نفسها حتى قرر بعض الاصدقاء من سوريا مساعدتها لمعرفة ما اذا كان ابنها بين المعتقلين. وهكذا تأكدت، ولأنها قررت اليوم التكلم "عالمكشوف"، تكشف ان "شقيقة غازي كنعان اخبرت هؤلاء الاصدقاء ان جوني في سوريا، وقالت: اذهبوا وطمنوا والدته ان المجرود (اي القوي) لم يمت تحت العذاب".

عندها لم تصدّق فيوليت الخبر، ركضت في الشارع ، قبّلت الارض. وصرخت "ابني لم يمت لكنه اصبح أصغر المعتقلين". في 16/11/1990 زارها عسكري من قيادة الجيش، وكان العماد لحود حينها قائداً، وطلب منها زيارة القيادة. تقول: "هناك أعطوني برقية تفيد ان جوني وخمسة عسكريين آخرين تبين انهم غير متوفين"، وتبرز فيوليت البرقية، وتضيف: "اسم جوني الاول بينهم، وعممت هذه البرقية على كل الوحدات". ويومها، قال لها الكابتن نقولا فاضل: "تعبك لم يذهب سدى، وابنك في سوريا".

منذ ذلك اليوم، صبّت فيوليت كل جهودها في هذا الاتجاه.

"الدولة تركتنا"

"الدولة تركتنا نفتش بين الجثث عن اولادنا، هي تخلت عن جيش وطني دافع عن بلاده". هكذا تصف فيوليت ناصيف مرارة 15 عاماً، و"النتيجة كانت ان استهزأت السلطة بمعاناتنا وتركت العائلات وحدها تواجه المصير الصعب. بعضهم لم يحتمل، فأي قوة يمكن ان يتحلّى بها أب أو أم وهما ينبشان الجثث ويفكران بابن اختار الجبهة من اجل السيادة والاستقلال؟". بعد جهد فردي، زارت فيوليت سوريا والتقت اللواء ابرهيم البيطار في نادي الضباط قرب أوتيل "الميريديانفافادها ان "جنود عون موزعون على ثلاثة فروع للتحقيق". في المقابل، تكررت الزيارات لسوريا، ولم تسأل عن اموال او تعب. في 1991، قصدت القرداحة والتقت اقرباء الرئيس حافظ الاسد وذهبت برفقتهم لترى ابنها في فرع التحقيق العسكري، هناك شاهد طبيب الفرع صورة جوني فأكد لوالدته انه موجود وشاهده وهو يعاينه بعد التعذيب الذي تعرض له، وطمأنها انها سترى جوني ومن دون بطاقة زيارة شرط الا تتكلم.

ولم تتكلم، حتى انها في الفترة الاولى لم تخبر زوجها واولادها. تقول: "اصبحت خائفة على ابني من نفسي".

دموع فيوليت لا تتوقف. تنهمر على قسمات وجه نالت منه الاعوام والمعاناة والمرارة.

دقيقتان كانت كافية لتطمئن على ابنها حتى لو لم تتحدث معه. تهز رأسها وتروي: "جلست في مكتب الفرع وسرعان ما أتى جوني ، رأيته فقط لدقيقتين". وتختنق الكلمات وسط الغصّة: "كتّر خير الله. ابني ما مات. شفتو". سيدتان هما فيوليت ناصيف وصونيا عيد (والدة المعتقل جهاد عيد) بدأتا النضال، فشكّلتا مصدر قوة للمجموعة التي تحلّقت حولهما لأن المعاناة تجمع، وكان غازي عاد المحرك الاساسي وحامل لواء القضية في المحافل الدولية، وهو زار أخيراً نيويورك للغاية نفسها، بعدما أصمّت الجهات المحلية آذانها طويلاً.

في العام 1991، توقفت فيوليت عن زيارة سوريا لعدم توريط الاشخاص الذين مهدوا لها الزيارة الاولى. لكن الغريب، انه في احد الايام من العام نفسه طلب منها الصعود الى قيادة الجيش. تشرح: "سألوني عمّا اذا كانت لدي معلومات وماذا اعرف، عندها تملّكني الغضب وصرخت في وجه الضابط: على شو إنتو مخابرات؟ إنتو لازم تخبروني عن ابني!! ثم قلت ان اللواء البيطار اكد لي وجود جوني في سوريا. وصرخت: اذهبوا وأطلقوا المعتقلين". ولأن فيوليت من سكان برج حمود ولديها الكثير من المعارف والاصدقاء السوريين، استطاعت في العام 1994 الحصول على بطاقة زيارة رسمية، وتبرز صورة عن الاذن، وفيها: "من الجمهورية العربية السورية قيادة قوى الامن الداخلي ادارة السجون الى رئيس فرع سجن دمشق المركزي. يُسمح للمدعوة فيوليت ناصيف من اهالي لبنان بمقابلة السجين جوني سالم ناصيف، نزيل سجن دمشق المركزي، ولمرة واحدة حسب نظام السجون".قصدت فيوليت السجن، هناك رأت كثيرين من السجناء الشباب وجميعهم في غرف تشبه خزّانات الماء. أدركت لاحقاً من معتقلين أُطلقوا ان هذه الغرف مخصصة للتهوئة)،وشاهدت ايضاً ابواباً سوداء مقفلة. من هناك، اطل جوني ورأته، فيما الضابط يتلو اسماء عسكر 13 تشرين الأول، وما ان صرخت "ابني هنا"، حتى قال لها الضابط: "الزيارة انتهت".

"شبعنا اهمالاً "

وتكمل روايتها عن زيارات متتالية. صحيح انها لم تر ابنها خلالها، لكنها كانت تتأكد من وجوده عندما كانت ترى اسمه على لوائح عسكر 13 تشرين الموجودين في سوريا. وذات يوم، قصدت سوريا واوصلت رسالة الى بشار الاسد (لم يكن حينها رئيساً) بواسطة رائد سوري، تشرح فيها معاناتها والسيدة صونيا عيد، وعلمت بعدها ان الاسد اوصى رئيس فرع عنجر يوسف العبدي بالاهتمام بالملف، وهكذا حصل. اتصل العبدي بفيوليت وطلب منها التوجه الى عنجر. فصعدت هي وصونيا لتقابلا العبدي.

هناك سمعت ابشع انواع الشتائم. وحاول العبدي الادعاء ان جوني وجهاد ليسا في سوريا، فتصدت له فيوليت وردت: "اذهب واسأل اقرباء الاسد ما اذا كان جوني هناك".

مشوار الاهالي مع المعاناة يبدو انه طويل. هم تعبوا، تحدوا الجوع وقاوموا النوم واحياناً المرض، وهم في خيمة منذ اشهر. كل ذلك من اجل لحظة واحدة يرون فيها اولادهم، وتسأل فيوليت: "اين هم النواب؟، كثر وعدونا بعد الانتخابات انهم سيعالجون قضيتنا، اين هم نواب "تيار المستقبل" ونواب الانتفاضة والآخرون؟ واين هم على الأخص النواب الامهات، اللاتي هن اكثر من يتحسس هذه القضية؟ وللامانة، فان نواب الجنرال يقصدوننا، ولاسيما النائب غسان مخيبر الذي يعتبر ام الصبي في هذه المسألة لانه تبناها منذ البداية. قصدنا رئاسة الحكومة فقابلتنا الاجهزة وقالوا لنا: أرشدونا الى الطريقة. أهذه حكومة تحترم نفسها وشعبها؟ اعتقدنا ان الاجهزة ذهبت لكن يتبين اننا لا نزال مكاننا، نحن نجلس هنا (في الخيمة) وابناؤنا معتقلون منذ 15 عاماً ولا من يلتفت الينا، لا يكترثون بكلامنا، مراراً رددت انه في عام 2001 خرج احد المعتقلين وقال لي انه رأى جوني في العام نفسه، في سجن تدمر في مجمع رقم 5 برفقة عسكريين، ونسأل: الى متى ينتظرون؟ حتى يموت الاهالي؟ ماذا ينتظر الرئيس اميل لحود؟ فليذهب ويطالب بهم، بالجيش اللبناني والمعتقلين".

بين الحين والآخر، كانت السلطة "تبتكر" الوسائل، اذ طلبت من الاهالي توقيع وثيقة توفّي المعتقلين بعد مرور عشرة اعوام. اما ما حدث مع فيوليت فيدعو الى العجب ايضاً حين ارسلت الشرطة العسكرية اليها اشعاراً في 14-9-2000 يفيد ان جوني فُقد اعتباراً من 13- 10- 1990 ولا يعرف عنه شيء حتى تاريخه".

إزاء هذا التجاهل، تطالب فيوليت" بلجنة تحقيق دولية اسوة باللجنة التي تحقق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، اكتفينا من اللجان المحلية. وهنا نناشد الرئيس فؤاد السنيورة الذهاب الى سوريا والطلب صراحة من الرئيس الاسد تسليمه المعتقلين، يا للسخرية، قصد سوريا وعاد باسماء المعتقلين السوريين! هل وضع المسؤولون انفسهم مكاننا؟ ما عندن ضمير؟ ما عندن رب؟ الحريري قتل ودفن ونريد معرفة الحقيقة، لكن اولادنا ايضاً يستحقون الاهتمام، هم يموتون كل يوم وهم أحياء". وتبكي فيوليت التي لا تستطيع تذكّر عيد ميلاد ابنها في 27 ايار 1974. "احلى ايام عمره امضاها في السجن، 15 عاماً ووالده لا يأكل الخبز لانه ينتظره مثلما تنتظر ربيعة رياشي (زوجة المعتقل انطوان) زوجها ولا تأكل التبولة. ما فيني كفّي. تعبت".

وتصمت فيوليت... اعوام طويلة مرت عليها وعلى زوجها سالم وهما يعيشان وحيدين، على ادوية الاعصاب، لديهما خمسة اولاد، اربعة في الخارج وجوني معتقل. "كرمال شو بدن يعيشو بالبلد؟ خلي الحكام يحكموا الحجر بدل البشر. جميعهم اليوم لا يكترثون للشعب، يا حرام تضحيات الشباب الذين نزلوا الى الشارع، كرمال شو؟"، تردد فيوليت بحرقة.

قد تشبه حكاية جوني غيرها من قصص المعتقلين، اما قضيته فحركت هيئات اجنبية عدة. ففي ايار 2004، نظمت جمعية "a cat" في فرنسا حملة تضامن معه وجمعت 300 مفتاح للمطالبة باطلاقه.

وقبل ان تختم فيوليت الحديث، لان الحزن "طفح" عندها، تلك الام الصامدة التي تستمد القوة من عمق المرارة، توجه رسالة الى العماد ميشال عون، قائلة: "هو رجع، بس ولادنا ما رجعو بعد. نطلب منه مساعدتنا لما يتمتع به من علاقات وصدقية".وعندما تطلب منها صورة عن جوني، تعطيك آخر صورة له قبل نحو شهرين من الاعتقال وهو يرتدي كنزة كتب عليها "Hurry up" (اسرعوا)، وتتمتم: "هل سيتأخر اطلاقه بعد؟ حرام هلقد. ابني بطل. بس وينو البطل اليوم؟".

أخطار وشهادة

و13 تشرين يعني ايضاً شهداء من العكسريين لم تكرمهم السلطة يوماً، منهم مثلاً النقيب ألبر طنوس الذي استشهد في معركة ضهر الوحش. اخطار عدة واجهها في معارك نهر ابرهيم وادما وغيرها، وصولاً الى 13 تشرين، في ذلك اليوم، كان ألبر في منزله في الحدت وعلم بالهجوم السوري، فالتحق برفاقه.

انقطعت الاتصالات واستمرت المعارك فيما الاهل لا يعلمون شيئاً عن ابنهم، والانباء تتوالى عن مجازر يرتكبها الجيش السوري وعن جملة اعدامات. يومان ووالدة ألبر تنتظر. وسرعان ما يصلها الخبر المشؤوم صباح الاثنين، وهو ان ألبر قتل في ضهر الوحش.

"لا اعرف كيف صفّوهم"، يقول شقيق ألبر ، طوني. والمفارقة ان هذا الاخير كان في كندا ولم يعلم بما جرى الا بعد ايام، لكن احساسه أنبأه بوقوع كارثة. هو لم يحضر مراسم دفن اخيه (30 عاماً) بعدما نصحته العائلة بعدم المجيء الى لبنان بسبب الظروف المتوترة، ولعل تلك المرارة لا تزال في نفسه.

يحبس دموعه ويقول: "صحيح ان اخي قضى شهيداً. لكننا خسرناه، لا اريد القول انه ذهب رخيصاً مثل غيره من الشهداء. لقد حصلنا على تعويضات وهي حقوقنا، لكننا قدمنا للوطن أعز ما نملك"، ويستدرك "لولا تضحيات هؤلاء، ربما لم نصل الى المرحلة الراهنة".تاريخان لا يستطيع طوني تذكرهما: 1 آب يصادف عيد الجيش وعيد ميلاد ألبر، و13 تشرين. يروي: "اتذكر كيف ودعني في 17 تموز 1990 قبيل سفري واعطاني قلمين لا ازال احتفظ بهما". "بطل... بطل"، عبارة طالما رددها الوالد عن ابنه الشهيد، كان فخوراً "لاني علمت ابني ضابط كرمال هالوطن"، بحزن، ينقل طوني هذا الكلام عن أبيه، ويتابع: "توفي والدي في 28 آذار الفائت اي قبل شهر من انسحاب الجيش السوري، كنت اتمنى ان يشهد ذلك اليوم، لان اخي ساهم في انجاز التحرير، الى جانب الشهداء، وتضحيات هؤلاء كانت بداية المقاومة التي وقفت في وجه سوريا".

وطوني الذي لا يزال منذ 1995 يشغل المركز نفسه في "اوجيرو" كمسؤول عن صيانة القوة المحركة، يعزو السبب الى عدم مسايرته الوضع الذي كان قائماً في الاعوام السابقة، ولا يخفي انه اخ شهيد سقط في 13 تشرين وقد يكون لذلك تأثير. يخاف طوني من ان يعيد التاريخ نفسه، فابنه ألبر (خمسة اعوام) يهتم كثيراً بالعسكر ويسأل والده عن الجيش ويقول: "بدي صير سولدا".

يعلق: "سأتردد كثيراً اذا قرر ابني دخول المدرسة الحربية. ربما الآن فقط افهم جيداً احساس والدي، ولا انسى كيف ودعني شقيقي للمرة الاخيرة قائلاً: "يمكن لازم نسافر ونترك هالبلد". اليوم اشعر بغصة لانني كنت مسافراً حين استشهد، فكان هو من ترك البلاد نهائياً ورحل عنا".

وهل من كلام بعد يضاف الى تلك المآسي والحقائق المدفونة في القلوب؟ اما وقد أُعلن بعضها، فهل تتحرك السلطة ليلمس اللبنانيون متغيرات حقيقية لدولة ما بعد الوصاية؟

هناك آباء وامهات يصارعون الوقت ويتسابقون مع كل دقيقة ليروا ابناءهم، فماذا تريد سوريا بعد من المعتقلين في سجونها بعدما اخرجت جيشها من لبنان؟ وبعدما مر 15 عاماً على 13 تشرين الأول 1990؟.

وهل يعقل ان تطالب هي بتعويضات عن اعوام وصاية وقتل وتنكيل واعتقال؟ وهل يجوز الا تضغط السلطة اللبنانية لحل هذه القضية؟ وهناك عسكريون استشهدوا من اجل انهاء الوصاية، واول الغيث ان تبادر السلطة الى التأكد من وجود الجثث الـ11 التي اثيرت قضيتهم في تحقيق امس في ملعب وزارة الدفاع ومعرفة اصحابها، احتراماً لقدسية موت توّج حياة نضال على الجبهات.