حرب الأوهام القاتلة

من دولة التخوم المدمِّرة إلى سياسة الأرض المحروقة

بقلم/شارل شرتوني

 

ها نحن مرّة أخرى نشهد تدمير لبنان من البّوابة الجنوبية ونسأل أنفسنا للمرّة الألف لما نحن أسرى هذه الدّوامة الجهنمية التي تسبّبت بما تسبّبت به من خراب ودمار. لكنّ المزعج في ردود الفعل التي تتردّد في أوساط لبنانية مختلفة، هو عدم قدرة اللبنانيين على وضع تشخيص موضوعي وسياسات ملائمة في هذا الشأن. المقلق في الأمر هو طبيعة ردود الفعل التي تنّم بالفعل عن تراوح بين القصور النفسي والسياسي والتواطؤ الفعلي مع سياسات النفوذ الاقليمية التي تتوسل لبنان كما في العقود الأربعة الماضية أرض مواجهات بديلة ونزاعات مفتوحة. لا تزال هنالك ردود فعل من نوع من التعّجب والاستهجان وكأن ما يجري هو من نوع المفاجاءات والأحداث غير المتوقّعة. لقد آن الأوان لأن نخرج من حالة القصور النفسي الذي نقابل به الأحداث وأن نتحّمل تبعات ما صنعته سياسات رسمية وسياسات النفوذ السورية والايرانية في ال ۱۵ سنة الماضية والتي أدّت إلى ما نشهده اليوم من انفجار لمشاكل أساسية راكمناها دونما أي حساب لمؤدّياتها.

إن ما يجري اليوم هو حصيلة لسياسات متنوعة المصادر أمعنت في تثبيت لبنان على خط تقاطع سياسات النفوذ الاقليمية، وتحويل أراضيه ومشاكله ومختلف فاعليه إلى أدوات يتوسّلونها دون أي مراعاة لسيادة البلد وتوازناته ومستلزمات إعادة بنائه بعد الحروب المديدة.

السيادة المعلّقة والنزاعات المفتوحة

 تثبيت وضعية جنوب لبنان كأرض مواجهة بديلة تستعملها سوريا وإيران وملحقاتها اللبنانية والفلسطينية من أجل نسف مشاريع التسوية الاقليمية على مستوى النزاع العربي­الاسرائيلي بشقيه الشامل والثنائي. إن تسليم "دولة الطائف" بمبدأ الثنائية بين الدولة والمقاومة، قد أعادنا إلى المعادلة القديمة التي دمّرت لبنان بالسابق عندما سلّمت الدولة آنذاك بمبدأ السيادة المعلّقة على أرض الجنوب لحساب منظمة التحرير الفلسطينية. إن تنازل الدولة عن سيادتها على أرض الجنوب لحساب حزب الله، قد أدخل لبنان في دائرة الفراغ الدستوري والأمني الذي يسبّبه تعليق السيادة.

 لقد عرفنا بالسابق كلفة هذه السياسة التي قضت بتجزئة مبدأ السيادة وما أدّت إليه من تقاسم الأرض الوطنية بين سياسات النفوذ المحلّية والاقليمية والدولية. إن ما يجري اليوم ليس بمفاجئ، بل هو تكملة لنهج سياسي خبرناه بكلّ سلبياته، ولم نستطع حتى اليوم تجاوزه، لا بل أضحى مرتكزاً لثقافة سياسية عبثية قائمة على تكريس واقع الازدواجية السلوكية، وثقافة عدم تحمّل التبعات والأداء غير المسؤول  الذي ينشأ عنها (Culture de l’impunité)، وإزاحة المسؤولية باتجاه الآخرين وتحديداً اسرائيل. إن سيادة الدولة اللبنانية إسمية، أما الواقع الفعلي فيشير إلى تقاسم الحيّز اللبناني من قبل سياسات انقلابية ذات امتدادات إقليمية وأبعاد ايديولوجية لا تقيم للفواصل الدولاتية والوطنية أي اعتبار.

إن تجاهل اتفاقية الهدنة بين لبنان واسرائيل، وتجاهل انسحابها إلى ما وراء الحدود المعترف بها دولياً، والإبقاء على سياسة المناوشات الخفيفة الوتيرة والخطف الدوري، والتعبئة المستمِّرة، والتسّلح التصاعدي، والدعم الفعلي للإنتفاضات في الأراضي الفلسطينية، وإحياء دور لبنان كإطار لتنسيق العمل الإرهابي داخل اسرائيل كما ظهّره اغتيال الأخوين مجذوب في صيدا، والارتباط العضوي بالسياسة الإيرانية التي تدعو علانية على لسان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إلى تدمير دولة اسرائيل، قد أدّوا مجتمعين إلى تكوين المفاعلات النزاعية المطلوبة التي أدّت إلى الانفجار الحالي. إن مبدأ "تناسل الأزمات" القاضي بالافتعال الدائم للأزمات الذي ابتدعه حزب الله، هو مفهوم تأليفي يسمح لنا بفهم هذا الأداء المنهجي والدؤوب والمهووس في آن معاً.

لقد أساء حزب الله ووصياه الإيراني والسوري تخمين قدرته عندما دفعوا بسياسة تسّلح تصاعدية رفعت المواجهة من مستوى حرب العصابات إلى مستوى المواجهة الكلاسيكية بين جيشين نظاميين، والحال أن حزب الله ليس بجيش نظامي وهنا مكمن الوهم القاتل الأول. إن سياسة التسليم بالأمر الواقع من قبل الاسرائيليين قد أدّت إلى تبلور حالة نفسية مُكابرة عند حزب الله، جعلته يتوهّم بأنه بصدد إقامة سياسة تكافؤ فعلي مع اسرائيل وصّفها على أنها "توازن رعب" فعلي. إن ردة الفعل الاسرائيلية الحاضرة ومفاعيلها التدميرية، ما هي إلا خروج صاخب على واقع التعايش مع الأمر الواقع في الجنوب وإفهام الحكم اللبناني بأن اسرائيل غير مستعّدة بعد اليوم للقبول بالتباساته وفراغاته السيادية والتسليم بواقع السياسات الانقلابية التي توسّلت أرض الجنوب منطلقاً لها على مدى أربعة عقود. لن يستطيع لبنان بعد اليوم أن يؤالف بين وضعيته الدولاتية المبدئية والفراغات السيادية الفعلية. يقودنا هذا الاستنتاج الأول إلى تقصّي واقع الجنوب اللبناني الذي يشكّل الإطار الجغرافي­السياسي للنزاعات المتكرّرة والمفتوحة ومدلولاتها السياسية.

لقد خرجت الأراضي الجنوبية من إطار السيادة اللبنانية وما تمحضه من حصانات قانونية وسياسية ومعنوية منذ زمن بعيد، يعود في بداياته إلى العام ۱٩٦٥ عندما أطلقت منظمة التحرير الفلسطينية الناشئة أول صاروخ من منطقة العرقوب باتجاه الأراضي الإسرائيلية. من ذلك الحين، دخل الجنوب اللبناني في سياق أدّى تدريجاً إلى انخراطه في دائرة نزاعية مفتوحة ومتشعّبة المفاعيل، ابتدأت مع تدمير أسطول طيران الشرق الأوسط سنة ۱٩٦٨، وتمدّدت مع الاشتباكات بين الجيش اللبناني والفصائل الفلسطينية وأجرامها في السنة ۱٩٦٩، وصولاً إلى انقسامات سياسية حادّة بين المسلمين والمسيحيين حول مفاعيل العمل الفلسطيني، أدّت إلى تسوية سياسية مدّمرة مع اتفاقية القاهرة التي كرّست عجز الدولة عن إنفاذ سيادتها على أرضها وتسليمها بواقع المداخلات الإقليمية والدولية كجزء لا يتجزأ من الواقع السياسي اللبناني. إن التواصل بين السياسات الفاعلة في الأوساط الإسلامية وسياسات الفصائل الفلسطينية قد أدّت إلى تفتّت الكيان الدولاتي اللبناني وتوزّعه بين مختلف قوى الأمر الواقع على طول الجغرافيا اللبنانية وعرضها في المنتصف الأول من السبعينات. إن حرب ١٩٧٥ لم تكن إلا النتيجة المنطقية لواقع التآكل التدريجي الذي أدّى في خواتمه إلى تحلّل الواقع الدولاتي على مدى عقد تمادى بين ١٩٦٥ و ١٩٧٥.

إن التآكل التدريجي للكيان الدولاتي قد أدّى بحكم الواقع إلى توزّع المناطق على دوائر النفوذ القائمة وذلك انطلاقاً من اعتبارات أمنية وطوائفية وإيديولوجية وسياسية ظرفية. إن استهداف القرى والبلدات المسيحية في جنوب لبنان من قبل الفصائل الفلسطينية وحلفائها في "الحركة الوطنية" وجيش لبنان العربي، قد حدا بقيادة الجيش المركزية إلى إيكال مهمّة الدفاع عنها للضابطين سعد حدّاد وسامي الشدياق، اللذين دُفعا بحكم تمدّد النزاعات بكل اتجاه وتزايد الخطر على سلامة هذه المناطق، إلى طلب مساعدة الدولة الاسرائيلية. لقد تطوّر هذا الواقع بحكم ترسّخه إلى نشوء حزام أمني استفاد منه كلّ من الدولة الاسرائيلية ومسيحيي وشيعة الجنوب الأعلى وبعض الجنوب الأوسط انطلاقاً من أولويات أمنية ومعيشية ظرفية خاصة بكل منهم.

لا بدّ في هذا السياق من الإشارة إلى أن سياسات النفوذ الفلسطينية وممارساتها على غير مستوى قد أدّت إلى تباعد مضطّرد بين شيعة الجنوب الذين احتضنوهم وتماهوا معهم في البداية لاعتبارات دينية وإيديولوجية؛ وما لبثوا أن اخذوا بعدهم عنهم ودخلوا في منازعات معلنة ومفتوحة معهم، خاصة مع ترّكز أطرهم التنظيمية والعقائدية على أسس طائفية بديلة تمنع توظيف الواقع الشيعي في خدمة أهداف لا تمت بصلة إلى مصالحهم الحيوية في مرحلة نزاعات مفتوحة. إن الترحيب الشيعي الصاخب بالاسرائيليين سنة ١٩٨٢، كان مؤشّراً واضحاً لرفض الشيعة المبرم في أن يكونوا أدوات لسياسات ونزاعات إتخذت منهم ومن أرضهم منطلقاً لأهداف لا علاقة لهم بها.

ان نشأة حزب الله تتقاطع مع تبلور ارادة شيعية تهدف الى الخروج من واقع التبعية لدوائر إيديولوجية وسياسية باتت لا تعنيهم، وارساء قواعد لسياسة شيعية في مرجعياتها الايديولوجية وأهدافها العملية. لقد تغذّى هذا النزوع من حركة التمكين التي دفع بها الإمام الصدر منذ بداية السبعينات ومن الأفق الذي دفعت به الثورة الاسلامية في إيران.

إن العمل الحثيث لمنظمات كحركة أمل وحزب الله من أجل إيجاد استوائية جيوبوليتكية شيعية وذلك عبر توسيع وربط نقاط التواجد الشيعي في الجنوب والبقاع والشوف الساحلي والغربي وجرود جبيل وبيروت، هو المؤشر الأبرز الى أن سياسة النفوذ الشيعية، لم تعد بفكرة بل أصبحت واقعاً فعلياً علينا الأخذ به عند تقديرنا للموازين الجيوبوليتكية في البلاد. إن المعارك المتواترة مع المنّظمات الفلسطينية، والمواجهات مع السّنة والدروز في بيروت والشوف الساحلي زمن الحرب، وعمليات السيطرة التدريجية والهادفة على ضاحية بيروت الجنوبية وذلك عبر التهجير المنهجي للسكان الأصليين الموارنة، هي المؤشّر لسياسة تثبيت التمدّد الشيعي. إن سياسة المواجهة مع اسرائيل التي خاضها حزب الله بعد فترة الودّ القصيرة المدى التي سادت بين الشيعة والدولة الاسرائيلية، قد انطلقت من اعتبارات جيو­استراتيجية وإيديولوجية تهدف إلى استكمال لملمة التواجد الشيعي كمنطلق لسياسة نفوذ شيعية محلّية، باتت ترتبط بشكل عضوي مع الأفق الإيديولوجي والاستراتيجي الذي دفعت به الثورة الإيرانية منذ سنة ١٩٧٩.

يضاف إلى ذلك تقاطع مصالح النظام السوري وحزب الله في مجال صياغة تحالفات لبنانية رديفة لسياسة نفوذه داخل لبنان، تؤازره في مجال الممانعة والتخريب على سياسات التسوية السلمية للنزاع العربي­الاسرائيلي التي يخشاها، وتساعد الشيعة في تثبيت مكاسب سياسة نفوذهم داخل البلاد. إن العمليتين الإرهابيتين ضد القوات الأميركية والفرنسية اللتين نفذهما حزب الله الناشئ، وعمليات الخطف المنهجي للأوروبيين والأميركيين في الثمانينات، قد ساهمت في خدمة أهداف الفريقين لجهة مساعدة سوريا على استعادة نفوذها بعد إقصائها سنة ١٩٨٢، وفي مجال إطلاق الحزب كفاعل عسكري وسياسي يسعى لإيجاد حيّز مستقل وفاعل له داخل الساحة اللبنانية. لقد استكملت هذه العلاقة التعاونية في التسعينات من القرن الماضي على مستوى مساعدة حزب الله في مجال تكوين قوته العسكرية واستعمال أرض الجنوب والبقاع الغربي كأرض مواجهات بديلة ومنطلقاً لاستهداف محاولات التسوية السلمية على المستوى الاقليمي وتفكيك ما تبقّى من مقوّمات السيادة اللبنانية في مختلف مواضعها.

أمّا حرب تموز ٢٠٠٦، فتندرج ضمن السياق ذاته، استعمال حزب الله وأرض الجنوب من أجل استعادة واقع الهيمنة على لبنان وتقويض إمكانيات إعادة بناء الدولة اللبنانية على قواعد استقلالية وتصفية الحسابات مع فريق واسع من اللبنانيين توحّدوا للمرّة الأولى حول ضرورة إخراج سوريا من المعادلة الوطنية وإنهاء واقع السيادة المعطّلة والمحدودة الذي طبع العلاقات اللبنانية-السورية على مدى ٣٥ سنة. إن الخطاب الأخير الذي ألقاه الرئيس السوري بعد إصدار قرار مجلس الأمن ١٧٠١، ينبئ عن عدم تبدّل النوايا وإصرار النظام السوري على التصرّف بلبنان وشعبه كامتداد جيوبوليتيكي وكأدوات يتوسّلها من أجل رفد سياسات نفوذه واسترجاع واقع الدولة اللبنانية التابعة. لم يساعد الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان في العام ٢٠٠٠ إلى ما وراء الخطوط الدولية في تجميد التفاعلات النزاعية ريثما تتبلور إمكانيات الحلّ السلمي في المنطقة.

إن سياسة التسّلح التصاعدي التي دفع بها النظام الإيراني والتي أسّست لدور جديد لحزب الله قضى بتحويل الجيوبوليتيكية الشيعية في لبنان، إلى منطلق لسياسة النفوذ الإيرانية في منطقة الشرق الأدنى. إن افتعال المجابهات الخفيفة الوتيرة مع اسرائيل على طول الحدود الجنوبية، وسياسة التعبئة المتعدّدة الأوجه، تنطلق من اعتبارات دفعت بها سياسة النفوذ الإيرانية، التي تحاول من خلال استراتيجية ممانعة واستهداف منهجي للتسوية السلمية للنزاع العربي­الاسرائيلي، أن تؤكد على مركزية والطبيعة المباشرة لنفوذها في منطقة الشرق الأدنى، وعلى تنمية رصيدها في العالم الإسلامي من خلال تزخيم النزعات الراديكالية، والخوض في مواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية والديموقراطيات الغربية التي تسعى على اختلاف مفكراتها وأولوياتها إلى الدفع بتسويات ديموقراطية للنزاعات المسلّحة في المنطقة، واحتواء سياسة التسّلح النووي الإيراني التي يعمل لها النظام الإيراني بشكل حثيث، وكجزء من عملية احتواء ديناميكيات التسّلح الكلاسيكي والنووي في المنطقة. وهنا مكمن الوهم القاتل الثاني الذي دفع بحزب الله إلى تحمّل تبعات سياسة النفوذ الإيرانية ومحاولة تصويرها على أنها تتطابق مع مصالح شيعية عليا في لبنان ومع أهداف بنّاءة تتعلق بمسار النزاع العربي­الاسرائيلي، أو مع مقتضيات الأمن الوطني اللبناني.

إن عمل التعبئة الإيديولوجية الذي اعتمده حزب الله من خلال إيجاد منعزلات دينية وحياتية ونفسية واستعدادات عدائية ونزاعية مغلقة؛ وسياسة العسكرة المتشعّبة التي فرضها الحزب على أوساطه؛ والعمل الدؤوب على ترسيخ المناخات العدائية للتسوية السلمية على المستوى اللبناني الأشمل؛ والسعي إلى دفع مكانته داخل الحركات الراديكالية الإسلامية السّنية من خلال تزخيم العداء مع اسرائيل... قد أسّسوا مجتمعين لديناميكيات نزاعية جديدة أدغمت مع الديناميكيات السابقة من أجل إغراق إمكانيات التسوية السلمية في وحول العدائية المطلقة والمجابهات المفتعلة لسبب وغير سبب، وتفعيل ذهنية "العدوانية المتباكية على ذاتها" (Belligerent Self Pity) وهو المفهوم الذي وضعه فؤاد عجمي لتوصيف التبريرات التي يُلجأ إليها في العالم العربي والإسلامي من أجل تشريع حركات الغضب والعنف وخطابات الكراهية المستشرية فيه.

لقد أخطأ حزب الله عندما جعل من أرض الجنوب ومن الشيعة مرّة أخرى قاطرات لإشكاليات وفاعلين ونزاعات ومصالح تتجاوزهم. فشيعة لبنان وبالتالي لبنان كلّه هم في حالة توظيف فعلي في خدمة سياسات النفوذ الإيرانية. إن الوعي الخاطئ (Conscience fausse) الذي توّلده المناخات الإيديولوجية التي بثّها الحزب بشكل خانق، لن يلغي خطأ الحسابات الاستراتيجية والمفاعيل التدميرية التي خلّفتها هذه الحرب. آمل أن تخوض الأوساط الشيعية وأعضاء حزب الله في قراءة نقدية لأدائهم وأن تقف الهلوسة الإيديولوجية عند حدود الواقع، فلديه الكثير من الأمثولات التي ينبغي الأخذ بها. إن سياسة التسّلح التصاعدية (١٢٠٠٠ إلى ١٥٠٠٠ صاروخ حسب تقديرات متنوّعة،تحصينات تقدّر ب11 مليون متر مكعّب كلفتها 4 مليارات دولار) قد جعلت من هذه الحرب أمراً محتوماً ولا سبيل إلى التستّر وراء حجج واهية غذّتها سياسة ردود الفعل المحدودة التي مارستها اسرائيل في السنوات الماضية والتي عزّزت الشعور عند حزب الله بأن اسرائيل هي في حالة تراجع فعلي؛ وسياسات الدولة اللبنانية التي بقيت بحكم الانقسامات السياسية في البلاد في وضعية تعطيل ذاتي أضعفت كيانها المعنوي والحقوقي والسياسي وألغت صدقيتها كفاعل في المجموعة الدولية؛ وتشريع الأمم المتحدّة منذ تفاهم نيسان لواقع السيادة المعلّقة على أرض الجنوب عبر التسليم بدور حزب الله كفاعل على حساب الدولة اللبنانية.

إن الكارثة التي حلّت بالجنوب وسائر المناطق على درجات متفاوتةٍ، لا يمكن معالجتها بذهنية انتصارية فارغة وبعمليات تعويض تدفعها إيران كمقابل لسياسة نفوذها في لبنان. على الشيعة خاصة واللبنانيين عموماً الإجابة دون مواربة عن سؤال لا مفرّ منه بعد اليوم، هل هم قابلون بتحّول أرضهم إلى فسحة لنزاعات بديلة ومفتوحة مقابل تعويضات تدفع لهم دورياً عند نهاية كل مرحلة من مراحل المنازلات المفتوحة على أرضهم ام لا؟ هل أن الشيعة مرتبطون من الآن فصاعداً بسياسة النفوذ الإيرانية وموجباتها وأولوياتها وأدواتها، أم أنهم لا زالوا مرتبطين بقواعد الشراكة والمواطنية اللبنانية التي تملي عليهم بالتالي الالتزام بموجبات الميثاق الوطني والشراكة الدولاتية والعمل المشترك في سبيل صيانة الحقوق الوطنية؟ هذه أسئلة لم تعد تحمل التأجيل والمماطلة إذا ما أردنا أن تبقى لنا حيثية دولاتية وأن نردّ عن أنفسنا المفاعيل التدميرية التي تتأتّى عن سقوطها.

دولة التخوم المدمّرة

هذه الملاحظات سوف تقودنا في هذه المرحلة من النقاش إلى استعادة نقدية للواقع السياسي اللبناني ولدور الدولة في مجال إقفال الدورة النزاعية المفتوحة على كل الاحتمالات وعلى أي أسس.

لم يعد من الممكن القبول بفراغات وفاقية والمضي بالحياة السياسية وكأنه لا ثغرات أساسية في مجال تعزيز السلم الأهلي وإنجاز البناء الدولاتي. لا يزال اللبنانيون قاصرين في مواجهتهم لمشاكلهم المحورية وغير راغبين في معالجتها على نحوٍ ناجز لسبب أساسي، وهو عدم التزامهم الفعلي بموجبات الشراكة الميثاقية وقواعد الإجماع الديموقراطي وكأنهم بذلك يؤشّرون لذواتهم وللآخرين، بأنهم معنيون باعتبارات إيديولوجية وجيواستراتيجية أكثر ارتباطاً بحقيقة خياراتهم الوجودية والسياسية. السؤال المطروح هو هل أن هذا البلد هو مرتكز لولاءات مؤسِّسة ولازمة أم مِعبَرٌ لخيارات والتزامات ذات أبعاد تتجاوز موجبات وواقع الدولة–الأمّة (Etat-Nation) الذي تبنى على أساسه الكيانات السياسية الحديثة. لن نستطيع بعد اليوم التموضع على تخوم (Interfaces) الأمّة العربية والإسلامية بمتغيراتها ومفارقاتها السنية والشيعية وواقع لبنان "الدولة–الأمّة".

لن نستطيع بعد اليوم أن نعيش على المفارقات التي تستحثّها هذه التخوم، فالأولى تنفي الثانية وتجعل منها وهماً قانونياً ومعنوياً. سوف يبقى لبنان وهماً قانونياً ومعنوياً وسياسياً ما لم تستعيد الدولة اللبنانية حيثيتها الكيانية وتصبح مصدراً لولاءات فعلية وحصانات سيادية نافذة وفاعلاً مكتمل المواصفات في المجموعة الاقليمية والدولية. أما تسمّرنا في قلب مفارقات سياسية مدّمرة كما هو الحال اليوم، فسوف يجعل من أرضنا أرضاً محروقة تستعملها سياسات النفوذ الإقليمية معبراً لأغراضها الموهومة أم الفعلية.

هذه الاعتبارات أساسية إذا ما أردنا التأسيس لحالة سياسية جديدة تنهي واقع التسيب الأمني والسياسي الذي تعيشه البلاد منذ أربعة عقود، وإلاّ فلا يتعجب اللبنانيون من تحوّل ذواتهم وأرضهم وحقوقهم ومصالحهم  إلى طعم لنار سياسات النفوذ الاقليمية. هذا السؤال مطروح على الشيعة في هذه المرحلة وعلى المسلمين على وجه الإجمال، لأنهم لم يستطيعوا حتى اليوم- وعلى الرغم من كل ما جرى منذ سنة حتى اليوم على مستوى وعي معنى وأهمية التجربة الوطنية اللبنانية-، من تجاوز الانفصام النفسي والسياسي الذي يستحثه الولاء لمتخّيل الأمّة وكيان "الدولة- الأمّة" من حيث هو كيان فعلي مؤسِّس لولاءات ورباطات تعاقدية قائمة على خيارات ميثاقية ملزمة ومصالح مشتركة وفهم للحقوق الأساسية المنشئة للكيان الوطني والدولة.

لقد عرفت الجماعات اللبنانية كلّها تجربة الخروج على الحدود الميثاقية ودفعوا ثمنها حروباً مفتوحة على عقود. المسلمون خرجوا بحكم اعتبارات ايديولوجية دينية المصدر، جعلتهم في حالة تجاذب بين ولاءات متنافرة استخدمتها سياسات النفوذ العربية من مصرية وسورية وعراقية وليبية وفلسطينية وسعودية وإيرانية... أما المسيحيون فقد لجأوا إلى الخيار الإسرائيلي في الثمانينات لأسباب قصوى أملتها السياسات الداخلية والعربية التي استهدفتهم في أمنهم الوجودي وحقوقهم وحرّياتهم. لقد آن الأوان لاستخلاص العبر من هذه الحقبات وتجاوزها على مستوى تسوية سياسية ناجزة تحدّد معالم الاجتماع السياسي اللبناني وتدفع بأداء سياسي متماسك يسمح لنا بتجاوز هذا الانفصام السلوكي الذي يمتاز به اللبنانيون. فإمّا الإنتماء اللبناني يشكل حدّاً فاصلاً في مجال صياغة السياسات الوطنية وإلاّ فنحن بصدد مسارٍ يستهدف هذا الكيان الدولاتي باتجاه خيارات ايديولوجية وجيواستراتيجية تتجاوزه وتلغيه.

علينا أن نعي أن التموضع على تخوم الالتباسات التي يدفع بها الأداء السياسي في لبنان، لم يعد ممكناً، فلبنان هو دولة ولا دولة، لبنان دولة ذات سيادة ولكن تطبيقاتها إنتقائية وظرفية واستنسابية ولا مسؤولة. لبنان يوقع اتفاقية الهدنة في العام ١٩٤٩ ويتنكر لموجباتها عندما تقتضي مصالح منظمة التحرير الفلسطينية وما تبعها من أجرام ومصالح "الحركة الوطنية" في السبعينات وحزب الله في التسعينات؛ لبنان ذات سيادة مستباحة عندما تهاجمه اسرائيل، ولبنان لا سيادة له عندما تستعمل حدوده الجنوبية من أجل استهداف أمن إسرائيل من قبل حركات مسلّحة غير الجيش الوطني.

هذا الأداء هو صورة مؤلمة لثقافة ولأداء غير مسؤولين، أدّيا بشكل متواتر لهذه الدوّامات الدموية التي دمّرت جنوب لبنان ومن خلاله دمّرت لبنان بأسره. لا بدّ من اتخاذ موقف حاسم بشأن استئصال لبنان من دوّامة النزاعات الاقليمية المفتوحة، عبر حسم الأمر بشأن التطبيق الفعلي للسيادة الوطنية على أرض الجنوب وإنهاء واقع السيادة المعلّقة والاستنسابية التي لا تستطيع أن تتحمّلها دولة إسرائيل أو أي دولة سواها في وضعية مشابهة لها. هل اللبنانيون راغبون في تطبيق موجبات السيادة اللبنانية على أرض الجنوب أم لا؟ هل اللبنانيون بصدد الإعداد لحرب طويلة الأمد مع اسرائيل وهم مجمعون على مبدئها وبشأن إعداد وسائلها أم لا؟ لا يستطيع اللبنانيون أن يكونوا في حالة حرب فعلية مع إسرائيل كما هو حاصل وألا يتحمّلوا تبعاتها البشرية والمادّية. إن أجوبة من النوع الذي تفضّل به أحد وزراء حزب الله عندما سئل عن الحكمة من الخوض في نزاع عسكري دون تأمين مستلزماته العسكرية واللوجستية والمدنية والطبية والاقتصادية ... فما كان جوابه إلاّ ليزيدنا إرباكاً، أن حزب الله يقوم بعمله دون تنسيق مع الدولة ولا هو في صدد استئذان سواه من اللبنانيين، الذين بحكم هذا المنطق، مدعوون إلى تحمّل نتائج وتبعات أعماله.

فمنطق "شاء اللبنانيون أم أبوا" الذي تفضّل به السيّد حسن نصرالله، هو منطق الخيارات الفئوية المفتوحة والتي لا تأبه لضرورة تخريج إجماع وطني حول مسألة الأمن الوطني كمسألة محورية من مسائل الوفاق الوطني. ماذا لو أخذت الأطراف الأخرى بمنطق الخيارات الفئوية المفتوحة على قاعدة "شاء اللبنانيون أم أبوا". المؤدّى لهكذا منطق ليس بمفاجئ: الاتجاه المحتوم نحو الحرب الأهلية والانخراط الطوعي في سيناريوات الفوضى الاقليمية التي تدفع بها الحركات الراديكالية.

إن مواقف الأمم المتحدة، والمجموعة الأوروبية والولايات المتحدة كما مواقف الفرنسيين والإيطاليين الثنائية قد أُكدّت على ألسنة كوفي أنان وخافيير سولانا، ولوي ميشال وكوندوليزا رايس وفيليب دوست بلازي وماسيمو داليما  أن القرار ١٧٠١، لا هدف له سوى مساعدة لبنان على إقفال التفاعلات النزاعية المديدة على حدود لبنان الجنوبية على نحوٍ نهائي وذلك عبر إيجاد منطقة منزوعة من السلاح وتسليم عملية مراقبة وضبط الامن على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية إلى قوة مشتركة مؤلّفة من الجيش اللبناني والقوات المتعدّدة الجنسية. وهذا لن يتمّ ما لم يسلّم اللبنانيون والإسرائيليون طوعاً بوقف إطلاق النار والمباشرة في تمدّد هذه القوات المشتركة.ﺇن مجيء القوات الدولية قد مهّد له بمحادثات بين الدول المشتركة