التقرير السنوي لمؤسسة الحق الانساني

عن حقوق الانسان في لبنان

2008

 

ملخص تمهيدي

 

درجت مؤسستنا في تقاريرها السابقة خلال عقدين من الزمن على تصنيف لبنان في مرتبة مقبول عند تصنيف اوضاع حقوق الانسان قبل عام 1975 مقارنة مع دول المجموعة العربية. وخلال سني الحرب الاهلية في لبنان كان واضحا ان هذا التصنيف لم يعد واقعياً، وتراجع الى درجة خطيرة جداً نتيجة الانتهاكات المتمادية التي شهدتها الحرب اللبنانية. اما اعتبارا من 13 تشرين الاول 1990 تاريخ احكام السيطرة السورية المباشرة على لبنان فعكست تقارير مؤسستنا واقعاً اتسم بالاسراف في انتهاك الحقوق نتيجة تراكم الانتهاكات للمواطن والمجتمع اللبناني عامة، والتي بلغت شأنا خطيرا كانت ذروته عمليات الاختفاء القسري والتي كانت تنتهي الى حالات اعتقال في السجون السورية والاسرائيلية. الى جانب، الاعتقالات المنهجية المنظمة التي قام بها النظام الامني السوري ضد معارضيه.

 

درجنا منذ عام 2005 على تقديم صورة ايجابية لتطور اوضاع حقوق الانسان في لبنان نتيجة زوال الوصاية السورية، لكن احداث العام الفائت لا تبشر بالخير : العودة الى استعمال العنف وانتهاك حقوق المواطنين اللبنانيين على كافة المستويات الى مستوى القتل والخطف والاختفاء وقمع الحريات وانتهاك حقوق الاعلاميين والصحافيين وكبت اصواتهم وتهديدهم بقوة السلاح وصولاً الى امور اخرى خطيرة لا تحصى في مقدمها قمع الحريات الاكاديمية وحقوق التعبير وحرية العمل السياسي واستمرار التسويف في قضية المعتقلين في السجون السورية وتردي اوضاع السجون اللبنانية والكثير من الملفات الانسانية التي تتردى تدريجاً.

 

حاولنا في هذا التقرير الاحاطة قدر الامكان بمختلف المعطيات الميدانية التي تعرضت فيها الكرامة الانسانية للانتهاك واملنا ان يشكل جرس انذار او منبهاً للمجتمع اللبناني الى خطورة ما ينزلق اليه تدريجاً من ظلامية ومجتمع تسود فيه آليات قمعية وزجرية كنا اعتقدنا ان لبنان قد خرج منها الى الحرية واحترام حقوق مواطنيه. واكثر ما يقلقنا غلبة منطق الهيمنة ورفض الاعتراف بالاخر واسقاط الافكار بالقوة، وما جرى في السابع من ايار اضافة الى الصدامات في الجامعات وتهديد الاعلاميين والتعرض لهم بالعنف او بالترهيب المعنوي والمادي مسائل لا يجب ان يسكت عنها اللبنانيون لارتباطها بمصير حاضراً ومستقبلاً وبمصير بنيان الدولة اللبنانية برمتها على قاعدة احترام حقوق الانسان والحق في العيش بحرية وكرامة في مجتمع تعددي ديموقراطي لا مجتمع عبيد كما قال مرة المفكر اللبناني الكبير شارل مالك.

 

فهرس

- حرية العمل السياسي والاجتماع الحزبي

- الانتخابات والحقوق السياسية

- حرية التعبير والصحافة

- حرية التعبير الفني

- حرية اصدار الكتب والمنشورات

- الحريات الاكاديمية

- الحض على الكره والعنصرية

- حرية المعتقد

- حرية الانتقال

- التدخل في الحياة الخاصة، العائلة والاتصالات

- الاغتيالات السياسية

- الاعتقالات الاعتباطية والتوقيفات

- وضع القضاء

- الاختفاءات القسرية

- العقاب الجماعي، الموت تحت التعذيب وظروف السجن

- التجنيس

- انتهاك حقوق الانسان

- استعمال الاسلحة المحظورة عالمياً

- حقوق الجماعات الخاصة

- حركة حقوق الانسان

- لبنان ووسائل القانون الدولي

- حقوق الطفل والمرأة

- اوضاع اللاجئين الفلسطينيين

 

 

التقرير السنوي عن حقوق الانسان في لبنان 2008

 

* حرية العمل السياسي والاجتماع الحزبي:

يسمح الدستور اللبناني بحرية الاجتماع، لكن مؤسستنا سجلت جملة انتهاكات لهذا الحق الاصيل الذي يكرسه الاعلان العالمي لحقوق الانسان.

- التضييق على العمل السياسي والرأي الاخر في مناطق يسيطر عليها "حزب الله" في الجنوب والبقاع وبيروت حيث اوردت التقارير الاعلامية معلومات عن تعرض نصب للحزب الشيوعي في منطقة النبطية للتفجير اسوة بما جرى لنصب للحزب السوري القومي في المنطقة عينها. وترد تقارير متواصلة عن تعرض انصار احمد الاسعد المعارض للحزب للتضييق عليهم وارهابهم. وهناك تقارير متواصلة عن اطلاق النار على المراكز الحزبية في مناطق مختلفة واشتباكات مسلحة تندلع بين الحين والاخر غالباً ما تنتهي بسقوط ضحايا، فيما تستمر الصدامات المتفرقة بين مجموعات مختلفة من المحازبين والطلاب ومنها ما جرى ويجري في الجامعات. وكان لمؤسستنا مواقف عدة لجهة الحض على حماية حقوق المواطنين ومنع التعرض لهم.

- انتهاء اعتصام المعارضة في وسط بيروت، ورغم الطابع السلمي لهذا الاعتصام الا انه تسبب في انتهاك حقوق التنقل بحرية والعيش للعشرات من المؤسسات الاقتصادية والعاملين فيها. ونقل اكثر من احصاء موثوق ارقاما كبيرة عن عدد المؤسسات التجارية والفندقية التي اقفلت ابوابها نتيجة الاعتصام الذي تسبب في طرد مئات الموظفين من اعمالهم.

- في 7 ايار قامت فصائل المعارضة بقيادة "حزب الله" بتنفيذ عملية اجتياح عسكري واسع لمناطق بيروت الغربية ما ادى الى سقوط قتلى وجرحى وتوتر مذهبي كبير، الامر الذي كان موضع ادانة من مؤسستنا نتيجة ما تجمع لديها من معلومات وبيانات عما جرى في احياء بيروت الغربية والجبل والشمال، وانتهاك حقوق المواطنين في سلامتهم الشخصية والتعرض لممتلكاتهم الخاصة وعائلاتهم. كما راقبت مؤسستنا بقلق ما جرى من احداث عنف متبادلة في شمال لبنان حيث سقط محازبون للحزب السوري القومي بنيران مسلحين مؤيدين للموالاة في مدينة حلبا، وكذلك دارت اشتباكات عنيفة في سهل البقاع ادت الى قتلى ودمار كبيرين.

- يثير قلق مؤسستنا اعتماد العنف احد وسائل التعبير لدى مختلف المجموعات الطائفية والمذهبية والحزبية اللبنانية موقعاً عشرات القتلى والجرحى في الاحداث التي اندلعت. ويقلقنا التلويح بما اصطلح على تسميته احداث 7 ايار جديدة لترهيب الطرف الاخر في لغة تستعيد منطق الحرب والنزاعات وتنتهك حق المواطن الاخر في التمايز.

 

* الانتخابات والحقوق السياسية:

ينص الدستور اللبناني على حق المواطنين في تغيير حكوماتهم بواسطة انتخابات حرة وعادلة، لكن هذا الحق بدا جزئي التطبيق حتى العام 1975 وتدهور تدريجاً وجدياً اثناء الاحتلال السوري الذي وضع قوانين انتخاب توسعت جداً واوصلت اكثرية ساحقة تستجيب لمصالحها. ووضعت السلطات اللبنانية قانوناً جديداً للانتخابات النيابية استدركت فيه بعض ثغرات القوانين المجحفة الاخيرة، لكن الكثير ما عاب القوانين السابقة لا يزال يسيء الى حرية التمثيل وصحته حسب المعايير العالمية الموضوعة واهمها جيري ماندرينغ و تقسيم الدوائر بغرض انجاح البعض واسقاط البعض الاخر. والاساءة الى تمثيل كل المجموعات الطائفية حيث يتمتع بعضها بتمثيل اعلى من عددها الديموغرافي وبعضها بتمثيل اقل تعوضه بأسرى من طوائف اخرى. فالمسيحيون يتمثلون بعدد من النواب يفوق حجمهم الديموغرافي (50% من النواب ازاء 40% من عدد اللبنانيين). لكن هذا التفوق يبقى نظرياً ذلك ان عدد النواب المسيحيين الذين ينتخبون في دوائر ذات اغلبية مسيحية لا يزيد على 22 بينما 44 من النواب المسيحيين يصلون الى المجلس النيابي باصوات غير المسيحيين، وهذا واقع يتحكم في ادائهم السياسي.

 

على نقيض المسيحيين يبدو تمثيل الطائفة الشيعية افضل حالاً رغم ان عدد نواب الشيعة هو ادنى من حجمهم الديموغرافي لكنهم يستعيضون عن هذا النقص بنواب من طوائف اخرى تأتي بهم دوائر ذات اكثرية شيعية. ولا مصلحة لهؤلاء النواب في معارضة مصالح من يأتي بهم الى الندوة البرلمانية. وتالياً يمكن القول ان حجم تمثيل الشيعة فعلياً يفوق حجمهم العددي.

 

يعد القانون الجديد للانتخابات بسلسلة من الاصلاحات وهي موضع تقديرنا، الا ان العبرة في التنفيذ فبعض هذه الاصلاحات وضعت موضع التطبيق : انتخابات عامة في يوم واحد، الغاء البطاقة الانتخابية، لكن بعضها الاخر اهمله القانون : الكوتا النسائية او بعض الاصلاحات التي تواجه عقبات جدية. مثل الاشراف على الانفاق الانتخابي وتطبيق سقفه في مجتمع لا رقابة صارمة فيه على ضريبة الدخل. ثم كيف يمكن الاطمئنان الى صحة التصويت وفرز الاصوات في مربعات امنية لا سلطة للدولة عليها ولا وجود لها فيها ؟

هي اسئلة وغيرها ستجيب عليها انتخابات 7 ايار 2009.

 

المرأة والانتخابات :

العام 1953 منحت المرأة حق المشاركة في الانتخابات والترشح، ولا معوقات تحول دون مشاركتها في الحياة السياسية. وتتمثل المرأة في البرلمان بواسطة مجموعة من السيدات تقل عدداً عن حجمها الديموغرافي وتتدنى عن نسبة الاناث في جميع المجالس النيابية في محيطها العربي، في حين لم تتمثل المرأة في التركيبة الحكومية الحالية بوزيرة. يذكر ان محاولة الهيئات النسائية تحديد "كوتا" نسائية معينة من عدد النواب وادراجها في اطار قانون الانتخاب باءت بالفشل.

 

حرية التعبير والصحافة :

تجمع تقارير رصد الحريات الصحافية على تراجع حرية الصحافة في لبنان، فيما تبوأت مكاناً لها في الثلث الاعلى طيلة عقود، ثم انزلقت الى الثلث الادنى في تراتبية هذه الحريات. وحتى مقارنة مع الحريات الصحافية في العالم العربي. يضير حرية الاعلام قانون 1954 للصحافة المكتوبة الذي يمنع الترخيص لصحف جديدة ويحصرها بالامتيازات السابقة لتاريخ القانون ما يجعل الحصول على رخصة اصادار عظيم الكلفة (مئات الوف الدولارات). بينما هي معاملة عادية لا كلفة ترافقها عدا الرسم الزهيد في معظم الدول.

 

لم يشفع النظام الديموقراطي ولا تاريخ لبنان الطويل في حرية التعبير والصحافة، في حماية الحريات الاعلامية في لبنان حيث تستمر الصحافة والاعلاميون عرضة للارهاب وكان اخرهم الاعلامي عمر حرقوص في تلفزيون "المستقبل" الذي تعرض للاعتداء في وضح النهار.

تسجل مؤسستنا اسفها لعدم التوصل الى جديد قضائي في جريمتي اغتيال الصحافيين سمير قصير وجبران تويني اللذين اصبحت قضيتهما في عهدة اللجنة الدولية. وكذلك لا جديد قضائي في تفجير اذاعة "صوت المحبة" المسيحية لثلاثة سنين خلت اضافة الى سلسلة اعتداءات على الاعلاميين مرت من دون عقاب جدي ورادع. وفي ارشيف انتهاكات حقوق الاعلاميين للعام 2008 امور خطيرة للتقصير في دولة اخرى من معالجتها ومتابعة نتائجها، وخصوصاً لجهة احراق مؤسسات اعلامية ومنعها من البث خلال احداث 7 ايار، اضافة الى استخدام الاعلام للتحريض واثارة الفتن خصوصاً عبر الاعلام المرئي والمسموع والانترنت. يضاف الى كل ذلك توقيع وزراء الاعلام العرب ومن بينهم وزير الاعلام اللبناني على وثيقة البث الفضائي التي تقيد حرية الرأي والتعبير.

 

سجلنا التعرض للاعلاميين والصحافيين اثناء قيامهم بالتغطية الاخبارية وخصوصاً المصورين الصحافيين في مناسبات كثيرة، لكن اكثر الانتهاكات فداحة كانت اقدام مناصري "حزب الله" خلال احداث 7 ايار على احراق احدى محطات تلفزيون "المستقبل" المؤيد للاكثرية النيابية اضافة الى قفل محطة تلفزيون المستقبل وراديو الشرق ومنع صدور صحف مؤيدة للاكثرية. وسجلنا تلقي صحيفة الاورويون لوجور تهديدات صدرت عن النائب ميشال عون في موازاة تعرضها لحملة تهويل وتهديدات عقب ما نشرته عن حادثة اسقاط مروحية للجيش في تلة سجد ومقتل النقيب سامر حنا. واختتمت السنة بإعتداء مناصرين للحزب السوري القومي على الصحافي في تلفزيون المستقبل عمر حرقوص.

 

شهد العام الفائت سلسلة طويلة من الدعاوى القضائية التي طالت مختلف وسائل الاعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة من الاطراف السياسية المتنازعة وذلك بتهم القدح والذم ونشر اخبار كاذبة، تبعا لأنتماءات الوسيلة. مما يثير قلقنا ايضا الضغط المالي الذي يمارس على عدد من وسائل الاعلام عن طريق محاصرتها اعلانياً ومنع شركات الاعلان من التعامل معها. ويقلقنا ايضا اقدام عدد من وسائل الاعلام المشهورة على منع على العاملين لديها الانتماء الى الاحزاب السياسية او مجرد التحدث في الامور السياسية داخل حرم هذه المؤسسات الاعلامية. اضافة الى ممارسة اخرى يتمادى فيها السياسيون لجهة منع الاعلاميين من ممارسة نشاطاتهم تحت شعار انهم "غير مرغوب فيهم" وفي هذا الاطار سجلنا ما تعرض له مراسلوا جريدة "الاخبار" اللبنانية على يد مرافقي النائب عون اثناء زيارته الى العاصمة السورية.

 

من المحطات المضيئة في سجل حرية الاعلام، كان الدعم الذي يقدمه المجتمع الدولي لحرية الصحافة، حيث نظم "الاتحاد الدولي لناشري الصحف" وللسنة الثانية على التوالي جائزة باسم الصحافي الراحل جبران تويني، في حين منحت مؤسستنا جائزتها السنوية عن حقوق الانسان الى الصحافي في الاورينت لوجور ميشال حاجي جورجيو تقديراً لشجاعته.

 

حرية التعبير الفني:

جرت العادة خلال 18 عاماً الماضية ان تستخدم السلطات وسائل عدة لمراقبة حرية التعبير الفني، وخصوصا بواسطة جهاز الامن العام المكلف رسميا مراقبة كل المطبوعات الاجنبية قبل توزيعها في الاسواق اللبنانية بما فيها الكتب، المجلات والافلام. وفي هذا الاطار تشير المعلومات التي جمعتها مؤسستنا الى خفض حدة الرقابة التي كانت ممارسة على عدد كبير من هذه المنشورات. وسجلت مؤسستنا منع مجلات فرنسية وتونسية من دخول لبنان بسبب مقالات لها عن النبي محمد. وتواصل السلطات ايضا مراقبة الاعمال الفنية التي تعرض المسرحيات والاعمال الفنية المختلفة القادمة من الخارج. وتم تأخير عرض فيلم تونسي في احد مهرجانات السينما في بيروت بسبب الرقابة. واصدر مئة من المثقفين والكتاب والمهتمين بياناً ضد الرقابة في بيروت.

مطلع تشرين الثاني منعت "سوليدير" الرسامة والمخرجة السينمائية جوسلين صعب من عرض لوحاتها في احد غاليرهات وسط المدينة بعدما اعتبرت الشركة انها مسيئة الى الاديان والى رموز فيها.

 

حرية الاصدار والكتب:

يستمر تدريس كتاب التربية الوطنية رغم الاحتجاجات الكثيرة على عدم احترامه قيم التعددية المجتمعية في لبنان وايضاً مخالفته لاحكام اتفاقية الاونيسكو حول التربية. اما اصدار الكتب فيستمر بكل حرية لولا رقابة يمارسها الامن العام اللبناني.

 

الحريات الاكاديمية:

يتمتع لبنان بتاريخ حافل بالحريات الاكاديمية، ومن حيث المبدأ يملك جميع الطلاب الجامعيين الحق في انتخاب ممثلين عنهم. ولكن تكرار الاحداث المذهبية والحزبية في حرم الجامعات دفع عددا من ادارات الجامعات الخاصة الى منع الانتخابات الطالبية حقنا للدماء. لكن الابرز كان اقدام ادارة الجامعة اللبنانية على منع الانتخابات الطالبية في مختلف كلياتها وفروعها.

 

الحض على الكره والعنصرية:

ليست حرية التعبير مدخلا للحض على النزعات العنصرية والكره واثارة النعرات, وتستمر الفقرة الثانية من المادة 22 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية عرضة لأنتهاكات واسعة في لبنان. فالعداء للسامية يعبر عنه على نطاق واسع يفوق اي بلد عربي، ويقوم "حزب الله" والحزب السوري القومي الاجتماعي بعرض دعايتهم العنصرية المعادية لليهود وسط الحياة العامة اللبنانية وعلى الملأ. وانضم الى هذين الحزبين بعض اركان "التيار العوني" الذين يتحدثون في محاضراتهم ولقاءاتهم الشعبية بخطاب عنصري تحريضي ضد الطائفة اليهودية التي لا تزال موجودة قانونا كأحد الطوائف اللبنانية السبعة عشر. وهناك ايضاً العديد من البرامج الفكاهية التي تهزأ من رعايا دول عربية او اجنبية اخرى.

 

تسجل مؤسستنا استمرار مشكلة التعامل السيء والمهين مع العمال الآسيويين والافارقة الذين يتجهون الى سوق العمل اللبناني للعمل في مهن متواضعة وخصوصا كخادمات، حيث تتوارد التقارير في شكل دائم عن تعرضهن لأسوأ الانتهاكات مثل عدم تقاضي الرواتب، التعذيب، الضرب، التجويع، الاغتصاب والاتهامات بالسرقة. وتسنى لناشطي مؤسستنا معاينة حالات تعذيب وسؤ معاملة تعرضت لها عاملات من سيريلانكا في سفارة سيريلانكا ادت بمرتكبيها الى مواجهة القضاء. كما كان هذا الملف موضوع فيلم سينمائي عرضته وسائل اعلام عالمية. وتقدر مؤسستنا عدد عاملات المنازل الاجنبيات في لبنان ب 300 الف غالبيتهن من سيريلانكا والفليبين واثيوبيا يتعرضن للاستغلال وانتهاك حقوقهن. وذكرت التقارير ان 59 عاملة اجنبية لقين حتفهن في لبنان خلال العام الفائت في حين نقل الاعلام تقارير موثقة عن عمليات الانتحار التي تقوم بها العاملات الاجنبيات.

 

ومن المثير للقلق استمرار الحكومة اللبنانية في ممارسة سياسة التمييز والتفرقة بين مواطنيها وخصوصا ما يتعرض له المسيحيون في القرى الحدودية التي كانت خاضعة للاحتلال الاسرائيلي، حيث لا تزال مؤسستنا تتلقى اخبارا عن رفض السلطات اللبنانية توظيف مواطنين من اهالي القرى المسيحية في القليعة ومرجعيون في مؤسساتها العسكرية والامنية تطبيقا لمبدأ "الاباء يأكلون الحصرم والاولاد يضرسون".

 

حرية المعتقد :

يؤمن الدستور الحرية للطوائف والمذاهب المعترف بها، ولكن السؤال الذي درجت مؤسستنا على طرحه، هو ماذا عن الجماعات غير المعترف بها ؟ مثل جماعة شهود يهوه والبهائيين او بعض الكنائس البروتستانتية. ويجب الاشارة الى قيام جماعات العمال الاجانب بممارسة شعائرهم الدينية بحرية في اوقات معينة ومن بينهم هندوس وبوذيين والسيخ.

 

سجلت مؤسستنا قيام مناصرين ل "حزب الله" بوضع اليد على كنيسة سيدة النجاة المارونية في بلدة لاسا في قضاء جبيل وحتى اليوم لا تزال المسألة من دون جواب رغم الكلام السياسي الكثير عن هذا الموضوع، ولم يتضح ما اذا جرى تسليمها الى الكنيسة المارونية في شكل جدي. تلاحظ مؤسستنا قيام مجموعات حزبية منظمة بإنشاء مدارس خاصة تدرس فيها التعصب والانغلاق وبث افكار دينية ضيقة. بالاجمال يمكن الحديث عن تزايد التوتر الطائفي والمذهبي بين المجموعات المكونة للمجتمع التعددي اللبناني.

 

حرية الانتقال:

لا قيود تحول دون انتقال اللبنانيين والاجانب على الاراضي اللبنانية، لكن مسألة المهجرين لا تزال مطروحة في مجموعة محدودة من البلدات مثل بريح وكفرسلوان وحارة حريك والمريجة والشحار الغربي رغم برامج العودة. لكن المشكلة الكبيرة في قفل ملف المهجرين هي عدم اقامة المهجرين العائدين في قراهم وبلداتهم نتيجة تردي الاوضاع الاقتصادية، وغياب الخطة الانمائية الشاملة للارياف على مختلف الصعد واستناداً الى وزير المهجرين ريمون عودة فإن كلفة اقفال ملف المهجرين تحتاج الى 500 مليار ليرة لبنانية.

تراقب مؤسستنا بقلق تطور اوضاع اللاجئين العراقيين في لبنان وخصوصاً المسيحيين الذين يتدفقون نتيجة تعرضهم للاضطهاد والذين تقدر الامم المتحدة و "المنظمة الدولية للهجرة" عددهم ما بين 20 الى 50 الفاً منهم 51% شيعة و 12% سنة والباقين من المسيحيين يعيش 80 % منهم في محافظة جبل لبنان في ظروفاً صعبة ويتنظرون الحصول على سمة دخول الى دول ما وراء البحار للانضمام الى اقرانهم.

 

لم تجد قضية اللبنانيين اللاجئين الى اسرائيل عقب انسحاب الاحتلال الاسرائيلي من الجنوب في ايار عام 2000 طريقها الى الحل، واستنادا الى شهادة اسقف الاراضي المقدسة لدى الموارنة المطران بولس صياح فان عدد هؤلاء لا يتجاوز 2500 من مختلف الطوائف اللبنانية والذين ينتظرون العودة الى لبنان لكنهم يخشون الملاحقة القضائية والاعمال الانتقامية. وكان هناك موقف مميز لرئيس الجمهورية ميشال سليمان في خطاب القسم تعهد فيه العمل على حل هذه المسألة.

 

التدخل في الحياة الخاصة، العائلة والاتصالات

تراقب الاجهزة الامنية الشرعية اللبنانية خطوط الهاتف وخصوصا لمن تعتبر انهم يشكلون مصدر تهديد للامن العام والسلامة الوطنية، ورغم زوال الوصاية السورية التي كانت تتدخل في شكل شمولي في مختلف اوجه الحياة اللبنانية، الا ان بعض التقارير لا تزال تتحدث عن استمرار عمليات التنصت من بعض الاجهزة الامنية الشرعية منها اضافة الى "حزب الله" تحت ستار المقاومة. وكانت شبكة اتصالات "حزب الله" سبباً لأندلاع العنف في احداث 7 ايار. ورغم خروج السوريين الا ان الحكومة والبرلمان اللبناني لم يقدما على خطوات عملية لأعادة النظر في القانون الصادر عن مجلس النواب في 1999 والذي شرع التنصت على وسائل الاعلام.

 

اما التدخل في الحياة العامة فقد تراجع كثيرا على مستوى الحكومة اللبنانية الى حده الادنى في حين يستمر "حزب الله" في الاحتفاظ بمناطق مغلقة له في الضاحية الجنوبية من بيروت، ومحافظتي الجنوب والنبطية والبقاع الشمالي حيث يمارس الحزب سياسة المناطق المغلقة ويمنع اي ممارسة جدية بديلة للسلطة ويفرض خطا عاما من العيش واسلوب الحياة ينسجم مع توجهات الحزب الاصولية وفكره الاسلامي المتشدد وخصوصا على مستوى الممارسة الشخصية.

 

الاغتيالات السياسية:

استمرت موجة الاغتيالات السياسية التي بدأت عام 2004 مع محاولة اغتيال الوزير والنائب مروان حماده، وسجلت موجة تفجيرات قاتلة ضربت قوى الجيش اللبناني في الشمال. وفي نيسان سقط الكتائبيان نصري ماروني وسليم عاصي في زحلة في جريمة وصفت بالسياسية، كما ادى التنافس الحزبي في الشمال الى حادثة بصرما التي ادت الى مقتل مناصرين للقوات اللبنانية والمردة. وفي ايلول قتل القيادي في الحزب الديموقراطي الشيخ ناصر العريضي بعبوة في بيصور في جريمة سياسية بإمتياز.

 

الاعتقالات الاعتباطية و التوقيفات:

سجلت مؤسستنا استمرار عمليات التوقيف الاعتباطية تحت عنوان التصدي للارهاب، وكان لمؤسستنا موقف من هذه المسألة التي طالت القوى الاسلامية السلفية عشوائياً على خلفية العمليات الارهابية التي طالت المؤسسة العسكرية. في حين تستمر قضية الضباط الاربعة المتهمين بالاشتراك في اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري والتي كانت موضوع سجال بين الاكثرية والمعارضة والجهات الحكومية المعنية اضافة الى محامي الضباط الاربعة حيث اختلفت التفسيرات والاجتهادات.

 

وضع القضاء:

من ابرز تأثيرات حقوق الانسان على القضاء اللبناني التزايد الواضح في تضمين لوائح المحامين مواد حقوق الانسان خاصة تلك التي تتعدى احكام القانون الوضعي وربما خالفته. والاهم صدور عدد من الاحكام من محاكم مختلفة بنيت على حقوق الانسان وليس القانون الوضعي اللبناني.

ورث لبنان المستقل العام 1943 نظاما قضائيا مستقلا وغير منحاز عن سلطات الانتداب الفرنسي. وحافظت دولة الاستقلال على هذا التقليد الى درجة معقولة رغم بعض القضايا المثيرة للجدل. من اركان النظام القضائي في لبنان، المجلس العدلي الذي ينظر فقط في القضايا المحالة عليه من الحكومة اللبنانية. وهناك ثغرة اساسية في نظامه تتمثل في عدم امكان استئناف او مراجعة الاحكام الصادرة عنه، من اي محكمة اخرى. ومن اشهر القضايا العالقة امام المجلس الفلسطيني يوسف شعبان الذي تجب اعادة النظر فيها برمتها. اما المحكمة العسكرية التي انشأت عام 1967 فتستمر في متابعة عملها الذي يتجاوز الاطار العسكري البحت في ملاحقة قضايا العسكريين القضائية الى ملاحقة قضايا المواطنين من غير المنخرطين في السلك العسكري، علماً انها تضم قضاة عدليين وضباطا وعسكريين الى وجود قضاة منفردين عسكريين في كل المحافظات يتولون النظر في مخالفات وجنح.

 

تلاحظ مؤسستنا بقلق استمرار تعطيل عمل المجلس الدستوري رغم الجهد التحضيري الذي بذله مجلس النواب في هذا الاطار. ويقلق مؤسستنا الخلاف المستمر على التعيينات القضائية. وكان لمؤسستنا موقف من القرارات الصادرة عن القضاء اللبناني ابان فترة الوصاية السورية خلال الفترة الممتدة من 1990 الى 2005 لجهة اعادة النظر في القرارات والاحكام الجائرة عن هذا القضاء بتأثير من سلطات الهيمنة السورية، واقترحت مؤسستنا انشاء محكمة خاصة لإعادة النظر في هذه القرارات.

 

- لا زالت قضية اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري موضوعا شبه يومي على جدول اعمال النظام القضائي اللبناني والدولي. وفي حيت تابعت لجنة التحقيق الدولية عملها خلال السنة الماضية لجهة استكمال التحقيقات واعمال البحث والتحري والاستماع الى الشهود واصدرت تقارير دورية عن مسار التحقيق. وشهدت نهاية العام الجاري تطوراً تمثل في اعلان امين عام الامم المتحدة بان كي مون عن قرب بدء اعمال المحكمة الدولية مطلع شهر اذار 2009.

- بادر الجسم القضائي في تموز وفي تحرك غير مسبوق الى تعليق جلساتهم استنكاراً لما وصفوه "الحملة الاعلامية المغرضة والتطاول على الجسم القضائي" عبر وسائل الاعلام تحت عناوين مختلفة. وفي تشرين الثاني قدم القاضي رالف رياشي استقالته من مجلس القضاء الاعلى احتجاجاً على التدخلات السياسية وعلى قبول بعض القضاة بهذه التدخلات مما يحول دون اجراء التشكيلات القضائية المعلقة بسبب النزاعات المذهبية وحجم الحصص الطائفية.

 

- من التطورات الايجابية في مسار القضاء اللبناني تقدم وزير العدل ابراهيم نجار بمشروع قانون الى الحكومة يرمي الى الغاء عقوبة الاعدام واستبدالها بعقوبة الاشغال الشاقة المؤبدة الامر الذي ينسجم مع مطالبات مؤسسات حقوق الانسان المحلية والعالمية والكثير من هيئات المجتمع المدني.

 

الاختفاءات القسرية:

تستمر قضية الاختفاءات القسرية التي جرت خلال سني الوصاية السورية معلقة ومعها قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية الذين تستمر امهاتهم في تنفيذ اعتصام مفتوح هو الاطول في تاريخ لبنان امام مبنى "الاسكوا" في بيروت.

 

تتمسك مؤسستنا بالتمييز بين قضيتيي المعتقلين في سوريا والمفقودين في الحرب اللبنانية وتعتبر الاولى مسألة تتصل بشروط الاختفاءات القسرية وتلامس اتفاقية جنيف التي ترعى التعامل مع الشعوب الخاضعة للاحتلال، في حين تخضع قضية المفقودين لأحكام القانون الجزائي اللبناني، وترعى مؤسستنا حملة مستمرة من اجل اثارة قضية المعتقلين في السجون السورية وابقائها في دائرة الاهتمام.

 

ترحب مؤسستنا بموقف رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان في خطاب القسم والذي ادرج موضوع المعتقلين في سوريا في اطار المسائل الوطنية العالقة. اما الحكومة اللبنانية وتحديداً وزير العدل ابراهيم نجار فقد اكتفى باجتماعات اللجنة اللبنانية- السورية المشتركة ولم تقدم على تطوير هذا العمل في اتجاه تقديم شكوى الى الهيئات المعنية في الامم المتحدة والمجتمع الدولي من اجل ملاحقة هذا الملف، خصوصا بعد الرد السوري بنفي وجود معتقلين لبنانيين لديها استنادا الى اللوائح الاسمية للمعتقلين التي قدمها الوفد اللبناني. وفشلت الحكومة اللبنانية ايضا في تقديم اجابات مقنعة ومنطقية على مطالبات الاهالي ولجان حقوق الانسان التي جعلت من هذه القضية اختصاصها. وخلال شهر اذار 2008 افرجت السلطات السورية عن المواطن م. ب الذي امضى 16 عاماً في المعتقلات السورية. وتسجل مؤسستنا قلقها البالغ من تعامل الحكومة اللبنانية بلا مبالاة مع التقارير التي وردت عن اكتشاف بقايا رفات بشرية قرب مراكز الاستخبارات السورية في عنجر وطرابلس. يفترض ان تبادر الحكومة اللبنانية فوراً الى تشكيل بنك للحمض النووي لعائلات المعتقلين والمفقودين. تسجل مؤسستنا في هذا الاطار عدم تقديم النائب العماد ميشال عون اجابات واضحة عن قضية المعتقلين اثناء زيارته الى سوريا.

 

المعتقلين اللبنانيين في السجون الاسرائيلية وعلى خلاف المعتقلين في سوريا، شهدت قضيتهم خاتمة سعيدة خلال شهر تموز بالافراج عن المتبقين منهم وفي مقدمهم سمير القنطار ورفاقه اضافة الى اعادة رفات مقاتلين لبنانيين سقطوا في المواجهات مع الجيش الاسرائيلي.

 

يهم مؤسستنا الاشارة الى استمرار عمليات الخطف المسلح بواسطة الاحزاب وكان من ابرزها اعلان مفتي جبل عامل السيد علي الامين عن اقدام حزبيين على خطف نجله اضافة الى سلسلة اخبار مماثلة عن عمليات احتجاز وخطف حريات.

 

العقاب الجماعي، الموت تحت التعذيب وظروف السجون:

العقاب الجماعي تعبير جديد لم تألفه الحياة العامة في لبنان الا خلال سني الحرب الاهلية والاحتلال الاسرائيلي ومن ثم الهيمنة السورية، ولكن هذا الوضع تغير منذ انسحاب السوريين. رغم ذلك تستمر الاجهزة الامنية اللبنانية في استخدام التعذيب على بعض الموقوفين وخصوصا الامنيين منهم، واكثر الاتهامات جدية هي تلك التي تسوقها التنظيمات السلفية الاسلامية ضد الاجهزة متهمة اياها بتعذيب مناصريها خلال التحقيق معهم. ولاحقا في اماكن التوقيف حيث تزعم هذه التنظيمات ان قوى الامن الداخلي اجبرت الموقوفين من افرادها على حلق لحاهم واعتدت عليهم بالضرب تكرارا في سجن روميه المركزي. وزعم وكلاء موقوفين على ذمة التحقيق ان موكليهم تعرضوا لممارسات عنفية لأنتزاع اعترافات منهم.

 

ظروف السجون اللبنانية سيئة ولا تلبي المعايير الدولية الموضوعة لأدارة السجون، وهناك 18 سجناً تبلغ سعة استيعابها 2000 سجين كحد اقصى. لكن الارقام المتداولة تشير الى ان عدد السجناء هو اكبر من ذلك بكثير ويزيد على الستة الاف. والمشكلة الكبرى التي تعاني منها السجون هي الاكتظاظ الكبير في عدد النزلاء دون اي اعتبار لطبيعة التهمة ولعمر السجين او لظروفه الصحية. وفي نيسان قام سجناء رومية بعملية تمرد واسعة احتجزوا خلالها سبعة عناصر من الشرطة افرجوا عنهم لاحقا بعد مفاوضات مطالبين بتحسين اوضاعهم ومد خطوط هاتف وغيره من الشروط الانسانية. ولاسابيع خلت اعلنت "لجنة اهالي السجناء الاسلاميين" عن تنظيم مؤتمر يتناول من وصفتهم "السجناء المظلومين". وتؤكد هذه اللجنة تعرض الموقوفين من انصارها في رومية للتعذيب والقمع. واستمر ذوو الموقوفين الاسلاميين في تنفيذ اعتصامات متجولة بهدف التوصل الى عفو شامل عن نحو 330 موقوفاً. وتؤكد الاوساط القضائية في المقابل وجود 278 مذكرة توقيف وجاهية في حق الموقوفين

 

اكثر السجون سؤا في زحلة الذي يحشر فيه السجناء بأعداد كبيرة الى جانب الموقوفين في انتظار محاكمتهم مما يتسبب بمشكلات صحية كثيرة ناجمة عن النظافة وغياب وسائل التدفئة شتاء والتبريد صيفا مما تسبب في شبه انتفاضة للسجناء. وفي ايار نظمت نقابة المحامين في بيروت ندوة عن حقوق الانسان في مجال ادارة السجون خصصت لعناصر قوى الشرطة العاملة في السجون.

 

اضافة الى السجون المعتمدة هناك نظارات الاجهزة الامنية وخصوصا التابعة لجهاز الامن العام المكلف مراقبة الحدود اللبنانية وحركة الدخول والخروج، ما يؤدي الى اعتقال العشرات من المهاجرين غير الشرعيين من التابعية الآسيوية او العربية وخصوصا العراقية والسودانية. ورغم التحسينات التي جرى ادخالها على هذه النظارات او الزنزانات التابعة للامن العام وخصوصا في منطقة مزرعة يشوع الا ان الاوضاع تحتاج الى مزيد من التطور لتستجيب للمعايير العالمية.

 

التجنيس :

تستمر قضية التجنيس مثار جدل في الاوساط اللبنانية المختلفة رغم مرور 13 عاما على صدور مرسوم التجنيس المثير للغط عام 1994 والذي رفع عدد سكان لبنان حوالى 10 في المئة مما ادى الى خلل كبير في التوازن الديموغرافي الطائفي الدقيق في لبنان وذلك على حساب المسيحيين. ورغم الاعتراضات الكثيرة على هذا المرسوم وما شابه من ثغرات خطيرة ابرزها منح الجنسية لغير مستحقيها وخصوصا للالوف من التابعية السورية، ورغم القرار الصادر عن مجلس شورى الدولة بأعادة النظر بهذا الموضوع الا ان شيئا من ذلك لم يتحقق نتيجة التجاذب الطائفي بين مكونات المجتمع التعددي في لبنان.

 

المسأل الاكثر حساسية هي التحركات التي تقوم بها الامهات المتزوجات من اجانب بهدف الاستحصال على الهوية اللبنانية لأولادهن تحت شعار "جنسيتي حق لي ولأولادي". وفي هذا الاطار تملك مؤسستتنا شهادات موثقة عن المعاناة الكبيرة التي يتسبب بها اهمال هذا الموضوع لعشرات العائلات المقيمة في لبنان واولادها نتيجة عدم توافر اوراق ثبوتية في حوزتهم مما يعرضهم مستقبلا لأنتهاك حقوقهم وللاهانة في شكل فاضح ومخالف لكل المعايير الانسانية.

 

انتهاك الحقوق الانسانية:

الانتهاكات اليومية لحقوق المواطنين اللبنانيين امر روتيني تأقلم معه المجتمع، ووجه الخطورة في هذه المسألة ان الاغتيالات وعمليات الاعتداء بالضرب والتهديد بالقتل اضحت مسائل شبه عادية. فقد سجلت مؤسستنا سلسلة طويلة من الاعتداءات التي طالت مواطنين عاديين، سقطوا قتلى وجرحى ومنهم الدكتور شاكر حبشي الذي تعرض للاعتداء على طريق بعلبك، والممرض محمد نعمة بهيج من العاملين في مستشفى النيني في طرابلس والذي قتل اثناء احداث طرابلس والمحامي هيثم طبارة، واعتداءات متنقلة على ناشطين سياسيين من مختلف الاطراف المتصارعة وخصوصا خلال "احداث 7 ايار" وما تلاها وما سبقها. وتوجيه تهديدات بالجملة الى السياسييين والاكاديميين والناشطين السياسيين.

 

استعمال الاسلحة المحظورة عالميا:

وقع لبنان في ايلول الفائت اتفاق "حظر او تقييد استعمال الاسلحة التقليدية المفرطة في الضرر والعشوائية". هذا وتستمر مشكلة القنابل العنقودية الناجمة عن الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان خلال تموز 2006 مشكلة كبيرة جدا يعاني منها المواطنون في حقول القنابل العنقودية التي القتها اسرائيل والتي قدرتها بعض الاوساط بمليون قنبلة مميتة، تؤدي الى سقوط العديد من المواطنين بين قتلى وجرحى ومعوقين واعاقة وصول المزارعين الى اراضيهم وممتلكاتهم. هذا في حين تستمر مشكلة الالغام الموروثة من الحرب وخصوصا في مناطق الشريط الحدودي الجنوبية وخطوط التماس السابقة بين المناطق اللبنانية، وكانت فرنسا قد طالبت اسرائيل بتقديم خرائط الالغام والقنابل العنقودية التي زرعتها في جنوب لبنان وفقاً لقرار مجلس الامن 1701 . علماً ان القنابل العنقودية والالغام تلوث 48 مليون متراً مربعاً في لبنان. ولا بد من التنويه بالجهد الكبير الذي تقوم به المؤسسة العسكرية اللبنانية والفرق الاجنبية المساعدة لمواجهة هذه المعضلة والتخلص منها.

 

حقوق الجماعات الخاصة:

تستمر مجموعات المثليين الجنسيين وكل من يشتبه به موضوع ملاحقة من رجال القانون في لبنان ويخضع المثليون لعقوبات صارمة في حال افتضاح امرهم بمعزل عن السن والجنس والظروف المحيطة. ورغم بعض مظاهر التحرر على هذا الصعيد الا ان المجتمع ينظر الى هذه الجماعات بحذر وعدائية. وتنص المادة 534 من قانون العقوبات على ان كل ممارسة جنسية مخالفة للطبيعة هي جريمة تستحق العقاب ويمكن ان تبلغ سنة في السجن.

 

حركة حقوق الانسان في لبنان:

تنشط مؤسسات عدة تحت لافتة حقوق الانسان في لبنان وفي ميادين مختلفة منها حقوق المعاقين او الصحافيين او المرأة او الطفل وغيرها من القطاعات. وتلعب مساهمات المجتمع الدولي وخصوصا الاتحاد الاوروبي دورا كبيرا في تعزيز المؤسسات النشطة في هذا الاطار. ومن النقاط المضيئة قيام قوى الامن الداخلي بإنشاء قسم لحقوق الانسان في المفتشية العامة لقوى الامن الداخلي حددت مهامه بالتعريف بحقوق الانسان في هذه المؤسسة الامنية وتعميق وعي عناصرها لها.

 

من المحطات المضيئة استمرار عدد من الجامعات والمعاهد الخاصة في ادراج هذه المادة في مناهجها حتى خارج كليات الحقوق والعلوم الانسانية، وكان لمؤسستنا شرف المبادرة في هذا الاطار حيث كانت اول مؤسسة اهتمت بأقناع الجامعات بفائدة تدريس مادة حقوق الانسان. وترمي دراسة حقوق الانسان وفقا للمنهج المقترح الى ترسيخ قيم عالمية مشتركة.

 

لبنان ووسائل القانون الدولي:

التزم لبنان بعدد من المواثيق الدولية المتصلة بحقوق الانسان واصبح عضوا فيها وخصوصا ما يتصل منها بحقوق العمال. وفي عام 1997 انضم لبنان الى العهد الدولي لحقوق المرأة. وفي تموز 2000 انضم ايضا الى المعاهدة الدولية ضد التعذيب. ولكن رغم ذلك لا يزال لبنان متخلفا عن مواكبة المجتمع الدولي في عدد من الاتفاقات ان لجهة التوقيع او الالتزام بها.

 

حقوق الطفل والمرأة:

تداولت وسائل الاعلام المختلفة تقارير موثقة عن عمالة الاطفال في لبنان واستخدامهم في اعمال غير مشروعة مثل التسول والاعمال الشاقة ورغم ذلك لم نشهد تحركاً جدياً لمواجهة هذا الانتهاك لحقوق الطفل. العنف ضد الاطفال في اسرهم امر شائع في لبنان ورغم ذلك نادراً ما تتدخل القوى الامنية استناداً الى قانون حماية الاحداث الرقم 422 الذي يتيح لها ذلك، واخطر ما سجل في هذا الاطار كان مقتل الطفل هادي المقداد الذي تعرض للضرب حتى الموت في حي الليلكي في الضاحية الجنوبية لبيروت.

 

اما التطور الابرز في حقوق الطفل اللبناني كان قرار وزير الداخلية زياد بارود الغاء عبارة لقيط للاطفال المجهولي الاب والام من سجلات النفوس واستبدالها بعبارة "قيد مولود حديث الولادة" وذلك مراعاة للمعايير الحقوقية وانسجاماً مع انضمام لبنان الى اتفاق حقوق الطفل.

صنفت دراسات عدة وضع المرأة اللبنانية على انها مواطنة من الدرجة الثانية وذلك نتيجة لما تتضمنه الشرائع الدينية من تفاوت في الحقوق بين الرجل والمرأة وطائفة واخرى واستحالة المس بمرجعية الاحوال الشخصية ومضامينها والتي تبقي النساء اللبنانيات مواطنات من الدرجة الثانية حيث يمارس العنف ضدهن ويتم السكوت عنه". هذا عداك عن العنف الكلامي والنفسي والجنسي.

 

اوضاع اللاجئين الفلسطينيين:

يعاني اللاجئون الفلسطينيون من اوضاع شبه ماساوية اسوة بغالبية اللبنانيين الذين يعيشون في ظروف مزرية نتيجة تردي الاحوال السياسية وعدم الاستقرار. تتباين التقديرات حول عدد اللاجئين بين 240 الفا حدا ادنى و 450 الفا حدا اقصى، ويخشى ان يؤدي تجنيسهم الى خلل ديموغرافي كبير لمصلحة الطائفة السنية. علما ان الفلسطينيين يصرون على التزام الحياد في الصراعات اللبنانية ويعتبرون ان لا قدرة لدى اللاجئين الفلسطينيين في لبنان على تحمل المزيد من المآسي كما جرى خلال سني الحرب الاهلية وفي مخيم نهر البارد، لكنهم يصرون في الوقت عينه على الفوز بحقوقهم كمقيمين على الاراضي اللبنانية في انتظار حل قضيتهم.

 

ترى مؤسستنا ان اوضاع اللاجئين ازدادت سوءا خلال عام 2008 نتيجة ما جرى في مخيمات الشمال. في حين لم تتحسن اوضاع الاخرى، التي بقيت على ما هي رغم الزيادة السكانية، ووجود مشروع اعادة البناء والترميم في مخيمات الجنوب الذي تقوم به "الاونروا"، كما لم يطرأ اي تطور على مستوى التحصيل العلمي لدى الطلاب الفلسطينيين. كما لم يطرأ اي تغيير على مستوى التشريعات القانونية المعنية بقضية اللاجئين بسبب عدم اجتماع مجلس النواب، وعدم تقدم اعمال لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني".

 

اكثر الاوضاع مأساوية هي احوال مخيم نهر البارد الذي شهد قتالاً عنيفاً بين الجيش ومجموعات مسلحة ارهابية، يليها مخيم عين الحلوة الذي تعتبر منظمة "شاهد" الفلسطينية لحقوق الانسان انه يشهد حال اشبه بالحصار اضافة الى مخيمات صور، في حين ان مخيمات بيروت مفتوحة في كل الاتجاهات ولا مشكلة في حرية التنقل".

 

واشارت المنظمة الى وجود 39290 طالبا في مدارس الاونروا موزعين على 87 مدرسة ابتدائية واعدادية و5 مدارس ثانوية. يعانون من مشكلات مثل العمالة المبكرة لدى الاولاد والتحصيل العلمي. وتعاني المخيمات اكتظاظا شديدا، يجعلها تتوسع عموديا، رغم ان عدد اللاجئين تضاعف اربع مرات، و47 في المئة من منازل المخيمات تضم غرفتين فقط، و33 في المئة ثلاث غرف صغيرة، في حين يبلغ معدل افراد الاسر التي تضم 5 اشخاص نحو 50 في المئة، والعائلات التي تضم 6 الى 10 اشخاص نحو 37 في المئة، مما يؤدي الى غياب الخصوصية العائلية وسهولة انتقال الامراض". ورأت "شاهد" ان الطبابة والاستشفاء من ابرز المشكلات التي يعانيها اللاجئون، رغم ان الاونروا تقدم هذه الخدمة، الا انها تساهم جزئيا في حل المشكلة، ولا تقدم الحكومة اللبنانية اي مساعدة في هذا الاطار الا في حدود ضيقة جدا، علما ان الفاتورة الطبية مرتفعة جدا في لبنان. ويبلغ عدد عيادات الاونروا 25 عيادة خارجية استقبلت 8,8 ملايين حالة مريض خلال عام 2004". واشار التقرير الى عدم وجود مستشفيات باستثناء بعض المستوصفات ذات الامكانات المتواضعة، مثل تلك التابعة لجمعية الهلال الاحمر الفلسطيني وجمعيات خيرية.

 

واعتبرت "شاهد" ايضا انه "لم يطرأ اي تحسن على اوضاع العمل بعد مذكرة الوزير المستقيل طراد حمادة حول منح اللاجئين الحق في ممارسة بعض المهن، اذ لا يزال اللاجىء الفلسطيني محروما ممارسة العديد من المهن الحرة التي تتطلب تشريعا برلمانيا يؤكد هذا الحق ويحتاج الى مراسيم تنظيمية". واعتبرت المنظمة "ان الحرمان من ممارسة العديد من المهن تحد حقيقي يواجهه اللاجئون لأنه ينعكس على الحدود الاخرى سلبا. وان السلطات اللبنانية تبرر منع الفلسطيني من ممارسة حقه في العمل بأن مبدأ المعاملة بالمثل ليس متوافرا وان الظروف الاقتصادية الصعبة تطول اللبنانيين ايضا". وعن احوال المرأة الفلسطينية قال انها "تعيش ظروفا انسانية صعبة، وتعاني تمييزا واسعاً في مختلف المجالات ولا يمكنها ان تمارس حقها في العمل بموجب قرارات وقوانين ناظمة. كما انها لا تستطيع ان تتملك عقارا او شقة بسبب القانون الصادر عن مجلس النواب عام 2001 ويحمل الرقم 296 ويمنع الفلسطيني من التملك. اما الاطفال فهم الحلقة الاضعف، اذ يعانون جملة انتهاكات لحقوقهم في التعليم والطبابة والاستشفاء واللعب. كذلك يتعرضون لخطر العمالة المبكرة ولديهم مشكلات صحية ونفسية كثيرة وخطرة تتعارض مع اتفاق حقوق الطفل الدولية التي وقعها لبنان عام 1989 (...)".

 

وتتبنى مؤسستنا ما اوردته "شاهد" عن الشخصية القانونية وفاقدو الهوية او ما اصطلح على تسميته الفئة الثالثة من الفلسطينيين في لبنان او قضية فاقدي الهوية والتي برزت بعد انتهاء الحرب اللبنانية مطلع التسعينات. وتعود جذور هذه القضية الى احداث "ايلول الاسود" بين منظمة التحرير والجيش الاردني عام 1970، عندما غادرت مجموعات من اللاجئين الاردن الى لبنان ولم تعمل السلطات الاردنية على تجديد جوازات سفرهم، كما لم تعترف السلطات اللبنانية بأي صفة قانونية لهم". وتقدر "شاهد" عدد هؤلاء بخمسة آلاف تقريبا "يعانون الحرمان الشديد على كل المستويات ولا يتمتعون بأي وضعية قانونية، وهم محرومون تاليا الحقوق التي تترتب على هذه الشخصية. وتعتبر اقامتهم في لبنان غير قانونية مما يجعلهم دائما عرضة للاعتقال والمساءلة، وهم لا يتلقون خدمات الاونروا الا في حدود ضيقة جدا، ولا يستطيعون الزواج ايضا، واولادهم محرومون الحق في الطبابة والتعليم وسواهما من الامور".