قضية: ألمفاتيح الزرق للسجون السوريّة

الكاتب قزحيا ساسين

مجلة النجوى المسيرة

 

مرّت ثلاثون سنة على تحكم سوريا بلبنان بشرًا وحجرًا، وقد شدّ أزرها فريق لبناني متعدّد تعدّد طوائف لبنان فوزّعت عليه منّ السلطة وسلواها متَّقيًا بتنفيذه كلّ ما يطلب منه أيّ شرّ وأذى. وقد ناهضها فريق لم يصل الى أن يكون شاملاً على مستوى النسيج اللبناني كلّه وطالما كان في صدارته المسيحيّون المعروفون بخطّ اليمين فدفعوا ثمن رفضهم الهيمنة السوريّة قتلاً وتشريدًا وتهجيرًا ونفيًا وسجنًا داخل الوطن وخارجه. وفي هذا السياق تندرج قضية سجناء لبنان في الأراضي السوريّة.

 

صار من السخف والجحود وقلّة الضمير والوطنية أن يُسمَح بعد في النظر الى كلّ ضرر يلحق بنا من إسرائيل كضرر ما بعده ولا قبله، ويستحق الاستنفار محليًا وإقليميًا ودوليًا لإعادة الإعمار والتعويض ومحاولة الشدّ على أيدي المتضررين والمنكوبين مؤاساة وتخفيفاً لوطء المصيبة، بينما كلّ أذيّة تأتي من سوريا يغضّ النظر عنها من شريحة لا يستهان بها من اللبنانيين، وكأن الحنظل السوري شهد ووحده المرّ الإسرائيلي مرّ.

 

من يستطيع أن ينفي الدمار الذي ألحقته القوات العسكرية السوريّة بكثير من البيوت والمؤسسات اللبنانية، فهل سأل أحد عنّا؟ لا بل، كان البعض مسرورًا يتهم البعض اللبناني الآخر بأنه العقبة الكبرى في الطريق الى فردوس العروبة والوحدة العربية المزعومة التي لم تتجلَّ يومًا، وعليه، فلا بدّ من إلغائه بأيّ وسيلة كانت.

كلّ البيوت اللبنانية التي دمرها الجيش السوري بالمدافع وراجمات الصواريخ، غير الطائلة إسرائيل بحفنة نار، أعاد أهلها بناءها بعرق جباههم، وما تبرّع لهم أحد بفلس أرملة. وكلّ المباني التي صادرها الجيش السوري ثلاثين سنة تركها محتاجة الى هدم وإعادة بناء، وأصحابها لم يحظوا سوى برؤيتها من البعيد شأن سائر الناس ومنهم من ترك لبنان حين وجد بيته وحقله محتلَّين وليس له سوى الله بعد اغتيال الدولة والقانون.

 

وكلّ الشهداء الذين مزَّق صدورهم الرصاص السوري تدثّروا بتراب بعيد عن تراب قراهم حيث الجيش السوري يمنعهم من العودة الى مسقط رأسهم ولو ترابًا... كلّهم لم يحاول أحد ن يكحِّل عيون أهلهم بلفتة تعزية، وطالما سُمّوا بالقتلى أو بالضحايا ـ حتى يومنا هذا ـ وكأن الشهيد اللبناني لا يحظى بلقبه إلا إذا كان في الضفة المواجهة للحديد الإسرائيلي العدو. إن لم تتساوَ إسرائيل وسوريا باللقب، بما أن الأولى عدوّة والثانية شقيقة كما درجت التسمية وشاعت، فإن اللبنانيين قد اصابهم نصيب أسود من هاتين الدولتين، والمشكلة هي في أن بعض اللبنانيين يتنازلون ويتساهلون ويسايرون كثيرًا في ما لا يتعلق بهم مباشرة، بينما البعض الآخر يحاول نشر ظلال المساواة اللبنانية في القهر والحزن والظلم والإجرام من أين أتت.

 

وتبقى قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السوريّة أمّ القضايا اللبنانية المحقَّة، والتي صارت ـ بكلّ أسف ـ بعضًا من خطاب سياسي فيه رفع عتب وجبر خاطر كي لا نقول رائحة صفقة أو ربط ما هو إنساني بما هو سياسي. واللافت، أن قضية هؤلاء السجناء صارت تطرح موسميًّا، بحسب الرياح السياسية الداخلية، ولا تبدو ذات حضور دائم ومتابعة من خلال المعنيين بها من السياسيين اللبنانيين.

 

ذوو السجناء تظاهروا واعتصموا وبكوا وأبكوا وقدّموا وثائق وتابعوا بلا ملل، غير أن المعادلة السياسية اللبنانية لفظت قضيتهم بعيدًا منها، فالقوى المتمثلة بالحكومة ـ باستثناء حزب الله والوزراء المحسوبين على رئيس الجمهورية ـ هي على "كباش" قاسٍ وجدّي مع النظام السوري الحاكم، ولا تستطيع أن تنتزع منه ورقة يتركها لوقت ـ ربما يكون متأخرًا ـ لإبداء حسن النيّة وتحقيق مكاسب معيّنة. والقوى المتمثلة بحزب الله المتفاهم مع التيار الوطني الحر ومن يلتفّ حولها من شخصيات وأحزاب تجهر بالولاء للنظام السوري لم تحرِّك ساكنًا في هذه المسألة.

 

ومن المستغرب كيف تأخّرت وساطة حزب الله مع السوريين لإنهاء ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، ما يفسِّر التبرؤ من هذه القضية، حتى الآن، وهي من أولويات ورقة التفاهم. فما هو المطلوب من العماد عون بعد ليستقبل باحتفال رسمي السجناء العائدين وله بينهم رفاق وأنصار مثلما لغيره؟ أم أن المقاومة الإسلامية لم تعد في وارد تقديم رافعة سياسية لعون تقيه الاستمرار في خسارة الكثير من أفراد تياره نتيجة توقيع ورقة تفاهم مع فريق لبناني لا مجال نفسيًا وعقائديًا وسياسيًا للالتقاء معه في شارع واحد والأحداث السالفة تثبت ذلك.

 

يصل الصليب الأحمر الدولي الى السجون الإسرائيلية، يقابل سجناء، وينقل رسائل، ومحامو دفاع إسرائيليون يتولّون الدفاع عن أعداء دولتهم، وكتب تدخل الى السجون ودراسات جامعية تتم في زنزانة... وكلّ ذلك، على جمال وقعه في الأذن لا يلغي ألم أسر وحجز حريّة، ولا يبرِّر التعذيب في السجون الإسرائيلية، غير أن ما سبق يدعو الى تساؤل كبير: لماذا السجون السورية تبدو من حيث جواب نواطيرها وكأنها خالية وما استقبلت يومًا لبنانيًا واحدًا؟!

حين يدخل الصليب الأحمر الدولي الى السجون السورية ويقابل شباب لبنان ـ وكثيرون منهم صاروا خمسينيين وستينيين في السجن ـ نعرف آنذاك ما يمكن أن يكون فيه عدل القول. سجناء لبنان في سوريا مفقودون، وربما هم خارج الحياة، وربما لا يزالون يحتفظون بذاكرة حزينة في أجساد هزيلة.

نعم، إن السجون السورية جحيم، بشهادات من قدِّر لهم أن يغادروها، ويمضوا ما بقي لهم من عمر في الحديث عن نهاراتها ولياليها السود.

هل من العدل أن ننتظر حزب الله ليرجع أسرى لبنان الأحرار من سجون سوريّة الى أجل غير مسمّى، بينما كلّفتنا محاولة استعادة ثلاثة أٍسرى لبنانيين من السجون الإسرائيلية حربًا تدميرية شاملة تخطى عدد شهدائها الألف والخمسمئة من المدنيين وجرحاها الثلاثة آلاف، عدا شهداء الجيش اللبناني والمقاومة الإسلامية وغيرهما...

لماذا أسرى يُرَدّون بالسلاح وآخرون لا يُردّون إلا استجداء وكأنهم مجرمون ـ لا سمح الله ـ او طالبو رحمة لا طالبو عدالة؟ وهل الأم الجنوبية التي خطفت لها إسرائيل ابنها هي غير الأم الشمالية التي ذهبت سوريا بولدها ولم تعده حيًا أو ترابًا، ولم تعطِ عنه خبرًا؟

 

إن المعادلة السياسية اللبنانية الراهنة لن تسمح في القريب المنظور باستعادة أحرارنا من السجون السورية، وليس من الطبيعي أن يقوم فريق غير الحكومة اللبنانية بهذه المهمة الإنسانية والوطنية النبيلة والملحّة، لكن الرياح السورية ممتلئة القلب من أشرعة حكومة السنيورة، ويتبيّن، مع مرور الوقت الصعب، أن ما هو عاصٍ على حكومة لبنان يكون بمتناول المجتمع الدولي، ولن يعمل جيدًا في إقفال السجون السورية سوى مفتاح أزرق صنع الأمم المتحدة التي تستعد لمحاكم تاريخية لا تتسع لها ربوعنا /مجلة النجوى - المسيرة

10 تشرين الأول 2006