النداء العاشر للمطارنة الموارنة

2/09/09

 

دعا النداء إلى رص الصفوف للنهوض بلبنان: محبة الوطن تقضي بأن يسود التفاهم بين اللبنانيين لتجنيب بلدهم الاخطار

استمرار صراع الطامعين في جنة الحكم قد يفاجأ اللبنانيون بإقصائهم جميعا عنه

 

وطنية - عقد المطارنة الموارنة اجتماعهم الشهري اليوم برئاسة البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير في المقر الصيفي للبطريركية في الديمان. وفي نهاية الاجتماع أصدروا نداءهم العاشر وجاء فيه الآتي:

 

1- تعودنا منذ سنوات ان نطلق نداء في مثل هذا الوقت من السنة، نستعرض فيه مجريات السنة الفائتة ومستجداتها، ونطل من خلاله على الرأي العام نشركه بما لدينا من هواجس وتطلعات. ونرى ان الواجب يقضي علينا بان نراجع ما استجد في السنة المنصرمة، وما ينبغي ان نحتاط له في السنة المقبلة لئلا نفاجأ بما نكره.

 

2- لقد شهدت السنة الفائتة احداثا عديدة، منها الايجابي ومنها السلبي سواء على الصعيد الداخلي في لبنان او على الصعيد الاقليمي والدولي.

 

3- فعلى الصعيد الداخلي، وبعد حل أزمة الفراغ الدستوري بانتخاب فخامة الرئيس العماد ميشال سليمان رئيسا توافقيا، قام فخامته بجهود مضنية لجمع الشمل واعادة وضع مؤسسات الدولة على مسارها الصحيح، ولاعادة لبنان الى موقعه الطبيعي في مصاف الدول، من خلال ما قام به من زيارات رسمية موفقة الى العديد من البلدان وانعاش علاقات لبنان مع كل الدول والمنظمات الدولية. واننا اذ نثمن عاليا ما يقوم به فخامته بثبات وحكمة، نهيب بجميع المسؤولين والاحزاب والقوى السياسية ان يلتفوا حول فخامته للعمل معا باخلاص على اعادة بناء الدولة على اسس متينة، ودرء الاخطار المحدقة بهذا الوطن.

 

4- ومن الاحداث الايجابية في هذه السنة تنظيم الانتخابات النيابية واجراؤها في يوم واحد بأقل ما يمكن من الشوائب، ولئن كانت هذه الممارسة الديموقراطية قد أظهرت انقساما كبيرا في الرأي العام، وأفرزت القوى السياسية إلى جبهتين متقابلتين، فهذا لا يعني بالضرورة ان يستحكم العداء بينهما، بل على الجميع ان يتعالوا على الاحقاد والمطامع الشخصية اوالفئوية ويتعاونون على خدمة المجتمع وتأمين الخير العام. ومعلوم ان غاية من يولون الاحكام يجب ان تكون العمل على ما فيه خير الرعية، وليس تحقيق الغايات والمطامع الشخصية.

 

5 - ولا بد من الاشارة، بين الايجابيات، الى صمود الاقتصاد اللبناني في وجه الازمة العالمية، وعدم تأثره بها بمقدار ما تأثر غيره من بلدان، وذلك بفضل الخيارات الحكيمة التي اتخذها القيمون على السياسة النقدية في البلد. ويجدر التنويه هنا بما عرفته الحركة السياحية من انتعاش خلال هذه السنة بفضل اقبال عدد كبير من اللبنانيين المنتشرين على زيارة وطنهم الام والاقامة في ربوعه لبعض الوقت، بالاضافة الى السياح العرب والاجانب.

 

6- وقد عرف لبنان خلال هذه السنة حركة فكرية وعلمية وفنية كبيرة برزت من خلال ما عقد فيه من مؤتمرات حول شتى المواضيع، ونظم فيه من مهرجانات في مختلف المناطق، وما قامت به مجموعات عديدة من المفكرين والباحثين عن حلول للشؤون السياسية او الاقتصادية او الاجتماعية. ولا سيما ان بيروت قد اعلنت في هذه السنة عاصمة عالمية للكتاب. وقد كان للكنيسة اسهام مرموق في هذه الحركة من خلال اصدارها "شرعة العمل السياسي في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان"، التي نتمنى لها ان تصبح مرجعا لكل العاملين في السياسة وفي الشأن العام، كي يستنيروا بالمبادىء السامية التي تعلنها ويعملوا باخلاص على اعادة بناء لبنان وطن الرسالة.

 

7- أما على الصعيد الدولي والاقليمي فقد استبشر العالم خيرا بانتخاب السيد باراك أوباما رئيسا جديدا للولايات المتحدة الاميركية. وعلق الجميع آمالا عريضة على انتهاجه سياسة جديدة تسهم في حل القضايا المزمنة التي تؤجج الصراعات في منطقتنا، ولا سيما القضية الفلسطينية، والصراعات المتشعبة في العراق، والعلاقات مع ايران وغيرها من القضايا التي يثيرها التطرف والارهاب في مختلف البلدان.

 

غير ان بروز حكومة يمينة متطرفة في اسرائيل زاد من وضع العراقيل أمام أي حل عادل لهذه القضايا، ولا سيما القضية الفلسطينية التي يتأثر بها لبنان كل التأثر، اذ ان المساعي التي يقوم بعض البلدان بها عادت تطرح بإلحاح قضية توطين الفلسطينيين في البلدان التي يعيشون فيها. وهذا يحرم الفلسطينيين من حقهم في العودة ويشكل اكبر خطر على لبنان دولة ومجتمعا وكيانا. فكيف سيواجه اللبنانيون هذا الخطر؟

 

8- وكيف سيواجهون الاخطار الاخرى المحدقة بلبنان من كل صوب؟ وكيف سيعالجون الازمات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية التي يعاني منها الناس؟ كيف سيحاربون الفساد ويعيدون بناء الدولة اللبنانية على أسس صحيحة؟ وكيف سيضعون حدا للهجرة التي تفرغ البلاد من عناصرها الحية، ما دامت تتحكم بهم اصطفافات وراء محاور اقليمية او دولية، وانتماءات طائفية ضيقة تجعل كل طائفة تنطوي على ذاتها وكأنها تتوهم انه باستطاعتها ان تشكل وطنا لذاتها بمعزل عن الاخرين، وما دام اهل الحكم عندنا في معظمهم منجرين وراء مصالحهم الخاصة وصراعاتهم على السلطة.

 

9- اذا ظل هذا الصراع القاتل بين الطامعين في جنة الحكم مستمرا، فقد يفاجأ اللبنانيون يوما بإقصائهم جميعا عنه، اذا وسوست شياطين الطمع للطامعين بوضع يدهم عليه، ولا ينفع ساعتئذ الندم، واشاحت الدول الكبرى بنظرها عنه بحثا عن مصالحها الخاصة. لذلك ان محبة الوطن تقضي بأن يسود التفاهم صفوف اللبنانيين، وان يتضافروا للعمل معا في سبيل تجنيب بلدهم ما يتهدده من أخطار، على الرغم مما بينهم من تباين في المعتقدات والتفكير. وعليهم ان يحزموا امرهم، ويخرجوا من هذه الدوامة، ويقبلوا على تأليف حكومة تعنى بشؤون الشعب اللبناني قبل كل وهذه هي وظيفتها الاولىة. وقد مر الان شهران على البحث عن تشكيل حكومة، ولم يفض هذا البحث الى النتيجة المطلوبة.

 

10- واذا ألقينا نظرة على تناقص اعداد اللبنانيين الذين تبتلعهم الهجرة البعيدة سنة بعد سنة، ولا سيما الشباب منهم واصحاب الكفاءات، يحق لنا ان نتساءل ما عسى ان يكون المصير في الامد البعيد، وقد منح الله اللبنانيين من الهمة العالية، ولباقة التصرف، والطموح المشروع، ما مكن بعضهم من احتلال أعلى المراكز في بلدان اغترابهم.

 

11- فما علينا، والحالة ما وصفنا، الا ان نرص الصفوف ونشبك الايدي لننهض ببلدنا من كبوته ونستأنف اعماره، اقتداء بمن سبقنا على أرضه من آباء وأجداد، ونوثق عرى التعاون والصداقة مع جيراننا، وبخاصة مع اقربهم الينا، لنخرج مما نتخبط فيه ، ونبني معا ما تهدم عندنا وتداعى من صروح إلفة ومحبة.

 

12- وانا اذ نحيي جميع الذين يعملون باخلاص في سبيل رفع شأن وطنهم الصغير بين الاوطان، نسأل الله ان يهدينا سواء السبيل ويشملنا جميعا برضاه وبركاته.